سيدة وسط «رجال الظل»

03:43 صباحا
قراءة 3 دقائق
عاصم عبد الخالق

يحلم الديمقراطيون الأمريكيون منذ زمن طويل، بأن يكون لهم شرف الدفع بسيدة إلى منصب الرئاسة الذي يحتكره الرجال. كادت مرشحتهم السابقة هيلاري كلينتون تقتنص الفرصة، إلا أن الحظ لم يحالفها. ومع ذلك لم يتوقفوا عن مطاردة حلمهم المراوغ. الرهان هذه المرة سيكون على السناتور كامالا هاريس التي اختارها جو بايدن، مرشحهم في انتخابات الرئاسة المقبلة لتكون نائبة له.
إذا قدر لهذا الثنائي الفوز، ستكون الفرصة مواتية للسيدة هاريس للانطلاق للسباق الرئاسي في 2024، بعد أن تكون قد أمضت أربع سنوات في منصب نائب الرئيس، وأصبحت وجهاً مألوفاً للناخبين. لا يخفي بايدن عن مساعديه، نيّته الاكتفاء بفترة رئاسية واحدة سيبلغ في نهايتها عامه السابع والثمانين. وعندها يجب أن تتقدم هاريس، وهي حالياً في الخامسة والخمسين من عمرها.
لتنفيذ هذا السيناريو، يخطط بايدن لإفساح المجال لنائبته للقيام بدور ربما أكبر مما قام به أي نائب رئيس سابق، بمن فيهم هو نفسه، خلال فترتي حكم باراك أوباما. ستكون هاريس نائبة الرئيس بصلاحيات استثنائية، وهو أمر غير معهود في تاريخ الولايات المتحدة، حيث يبقى النائب دائماً رجل الظل. أو كما تصفه مجلة فورين بوليسي «العضو النائم في الفريق الرئاسي، أهم واجباته حضور الجنائز».
وقد يكون هذا صحيحاً، إلا أن الدستور يمنحه دورين مهمين: الأول رئاسة مجلس الشيوخ، وبالتالي يصبح رمانة الميزان عند تساوي عدد أصوات الأعضاء. الثاني تولي الرئاسة إذا أصبح المنصب شاغراً، كما حدث عند اغتيال كيندي أو استقالة نيكسون.
كثيرون من نواب الرؤساء اتتهم الشجاعة للاعتراف بدورهم الهامشي ابتداء من جون آدمز، أول من تولى هذا المنصب في تاريخ أمريكا، وكان نائباً لأول رؤسائها؛ أي جورج واشنطن، ثم أصبح الرئيس الثاني. يسجل التاريخ تصريحاً له يقول فيه: «أيها السادة أشعر بصعوبة القيام بدور.. أنا نائب الرئيس لكنني لاشيء. وقد أكون كل شيء في وقت ما». له عبارة أخرى تطفح بالمرارة هي: «نائب الرئيس هو أتفه منصب اخترعه الإنسان على الإطلاق».
وبعد أكثر من مئة عام كرر نائب آخر شكوى آدمز بكلمات مختلفة، لكن أكثر قسوة، إنه توماس ريلي مارشال، نائب وودرو ويلسون. تنقل عنه مجلة «فورين بوليسي» قوله: «إنه أشبه برجل متحجر لا يمكنه الكلام أو الحركة، لكن يعي ما يدور حوله». أما جون هارنز نائب روزفلت الذي تولى منصبه عام 1933 لولايتين، فله تعبير مقزز هو «أن وظيفته لا تساوي قيمة دلو من البول».
إلى هذا الحد كان نواب الرؤساء يشعرون بالتهميش والهوان على الرغم منصبهم الرفيع. ويبدو أن هذا هو قدر الرجل الثاني في النظام الرئاسي الأمريكي. ومع ذلك توجد استثناءات منها بايدن نفسه، الذي اعتمد عليه أوباما كثيراً لخبرته الطويلة، سواء في الملف الخارجي؛ كونه الرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، أو الملف الداخلي باعتباره عضواً مخضرماً في المجلس منذ انتخابه للمرة الأولى عام 1973.
وربما يكون بيل كلينتون قد اعتمد بصورة متزايدة على نائبه آل جور في ولايته الثانية، لإعداده للترشح خلفاً له. أما النموذج الأبرز لنائب الرئيس القوي والاستثنائي في التاريخ الأمريكي، فيجسده ديك تشيني نائب جورج بوش الابن. لعب تشيني وهو أحد أشرس أقطاب المحافظين الجدد، الدور الأكبر في صياغة السياسة الداخلية والخارجية لبلاده، بمساعدة مجموعة انتقاها من غلاة اليمين المتشدد، واستغل افتقار بوش للخبرة والكاريزما لتوسيع نفوذه، وإقرار ما يشاء من سياسات، وهو الذي قاد حملة التعبئة رسمياً وشعبياً لغزو العراق.
غير ذلك، يخلو تاريخ الولايات المتحدة من تسجيل أي أدوار استثنائية لعبها نواب الرؤساء. ومن المبكر الحديث عن تجربة هاريس، وهل ستكون استثناء ثالثاً بعد بايدن وتشيني، أم ستنضم طوعاً أو كرهاً إلى قائمة «رجال الظل» من زملائها السابقين؟.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y47ob23h