جاء الصينيون.. وداعاً أمريكا

04:21 صباحا
قراءة 3 دقائق
عاصم عبد الخالق

لسنوات طويلة ظل الشرق الأوسط وما زال، جبهة للصراع بين واشنطن وموسكو وبقيت الصين بعيدة، ليست لديها الرغبة ولا القدرة على الانضمام إلى هذا السباق الشرس، إلا أنها نجحت في التمدد بهدوء دون صدام مع أحد. تغلغل الصينيون تدريجياً وبلا ضجة، وانصب تركيزهم على التجارة وهو ما جنبهم إثارة مخاوف واشنطن التي اطمأنت إلى حسن نيتهم وعدم وجود أطماع عسكرية أو طموحات للسيطرة على بلدان المنطقة.
بفضل هذا الغزو الاقتصادي الناعم ترسخ انطباع لدى العديد من الخبراء الأمريكيين بأن الوجود الصيني ليس خطراً على نفوذ بلدهم، باعتبار أن أهداف الجانبين تسير في خطين متوازيين وليس متقاطعين؛ بل يرى بعضهم أن أهداف البلدين متناغمة إلى حد كبير؛ لأن أولويات واشنطن وهي تأمين إمدادات النفط، وحماية إسرائيل، ومحاربة الإرهاب تتطابق مع ما تريده الصين ويصب في مصلحتها.
تبدو هذه الرؤية صحيحة إلا أنها متقادمة، فقد جرت مياه كثيرة في النهر. لم تعد الصين تقنع بشخصية المستثمر المحايد الذي رسمته لنفسها بإتقان على مدى سنوات. تعاظم طموحها وتطلعها لدور عالمي يتناسب مع تقدمها الاقتصادي، كما أن صعود اليمين الأمريكي بعدائه المتأصل تجاهها، جعل من الصعب صمود نظرية تناغم المصالح التي يعتبرها من أوهام الليبراليين المضللة.
يؤمن اليمين بأن الصين في سعيها لإقامة نظام عالمي بقيادتها تضع عينيها على الشرق الأوسط باعتباره أهم المناطق الحيوية لأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية بعد نطاقها الجغرافي الأقرب في المحيط الهادي وشرق آسيا. ولمركز «هادسون» للأبحاث السياسية؛ أحد معاقل اليمين الأمريكي، دراسة مهمة تتحدث عن الصراع الصيني الأمريكي المرتقب في المنطقة، وتعتبر أن الصين ستصبح مملكة الشرق الأوسط الجديدة.
تؤكد الدراسة أن الصين لم تعد تكتفي بالعلاقات الاقتصادية كمنفذ للتغلغل والهيمنة؛ بل انتقلت إلى مرحلة جديدة من التعاون العسكري، وحتى الوجود العسكري الدائم بافتتاح قاعدتها البحرية في جيبوتي في 2017.
من المؤكد أن واشنطن لا تشعر بالارتياح تجاه هذا التطور لاسيما مع القفزات الكبيرة في الميزانية الدفاعية للصين التي تضاعفت نحو خمس مرات بين 2000 و2019 لتقفز من 43 مليار دولار إلى 266 ملياراً، وهو ما يزيد على ميزانيات روسيا وإسرائيل وفرنسا وبريطانيا مجتمعة.
على الصعيد الاقتصادي كسبت الصين بالفعل السباق مع الولايات المتحدة، وأصبحت الشريك التجاري الأكبر لكثير من حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. واستثمرت في تلك المنطقة نحو 123 مليار دولار منذ 2013. وقفزت مبادلاتها مع بلدان الخليج إلى 163 مليار دولار في 2018، مقابل عشرة مليارات عام 2000.
وللصين قصة نجاح كبيرة في التعاون مع العراق وهي أكبر شركائه التجاريين، ووقعا صفقة ضخمة بعنوان النفط مقابل التعمير. وربما يكون هذا أكثر ما يثير حنق الأمريكيين الذين قاتلوا «داعش» هناك، وعندما هزموه حصد الصينيون المكاسب، وأبرموا الصفقات، وكأن الجيش الأمريكي كان يحارب من أجلهم. قصة نجاح أخرى حققوها مع إسرائيل التي يعتبرونها مصدراً للتكنولوجيا المتطورة ومعبراً ممتازاً للتواصل مع سوق التكنولوجيا في أمريكا.
النتيجة التي تصل إليها الدراسة هي أن الصين تتغلغل بنجاح في الشرق الأوسط وأن هدفها النهائي هو إقصاء أمريكا. وبعيداً عن التجارة فقد أثبتت أنها لا تعدم الدهاء السياسي وتعرف كيف تستفيد من النزاع الأمريكي مع روسيا وإيران؛ لذلك فهي تدعم وجود البلدين ونفوذهما لاستنزاف أمريكا وإلهائها. كما أن استمرار التوتر مع إيران بالذات، يدفع أمريكا للاحتفاظ بقوات بحرية في الخليج وهو ما يفيد الصين في تأمين إمداداتها النفطية من ناحية، وتخفيف الوجود البحري الأمريكي بالقرب من حدودها من ناحية أخرى.
أكبر مكاسب الصين تجنيها من أخطاء أمريكا نفسها وتسبب عدم وضوح رؤيتها في زعزعة ثقة حلفائها بشأن الوفاء بالتزاماتها الأمنية، خاصة مع تكرر حديث مسؤوليها عن تراجع أهمية الشرق الأوسط، وضرورة البعد عن صراعاته. كل هذا دعا الحلفاء إلى مد جسور التعاون مع الصين التي كانت في الانتظار ويدها ممدودة إليهم بعقود الصفقات.
وصل الصينيون بالفعل ولن يرحلوا؛ لأنهم لم يأتوا على ظهور الدبابات ولم تسبقهم أساطيلهم بل أموالهم.
[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y62uoc4m