سؤال اللحظة الراهنة

04:27 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. علي محمد فخرو

لا يحتاج الإنسان لأن يدخل في ذكر تفاصيل عوامل البؤس والتشرذم، في كل المستويات، وعلى كل الساحات الحياتية، التي تعصف بجلّ مجتمعات الوطن العربي، فهي ماثلة أمامنا، ونعيشها يومياً، ونتجرع مراراتها. ومما يضاعف من عمق وألم تلك المآسي، هيمنة العوامل الخارجيه، وتحكمها في مسار العوامل الداخلية، وفي عرقلة كل محاولات إصلاحها.
ما نقوله لا يندرج في تجاذبات بكائيات التشاؤم أو اليأس، وإنما مواجهة موضوعية وصادقة مع النفس لحالة مجتمعية عربية أصبحت خارج المنطق وخارج معقولية وإمكانية التعايش معها، مهما كانت الذرائع والمبررات التي يتشدق بها البعض.
ما عاد من الممكن التعايش مع الصراعات والمماحكات العبثية المجنونة فيما بين بعض أنظمة الحكم العربية، ولا التعايش مع ترك حل كل مشكلة عربية في يد قوى الخارج الاستعمارية أو الإقليمية، ولا التعايش مع الشلل الذي أصاب النظام العربي القومي المشترك، ولا التعايش مع الفشل الذريع لمواجهة العنف الإرهاب «الجهادي» التكفيري المفتري على الإسلام، ولا التعايش مع انكشافات الأمن العسكري والغذائي والمائي والتكنولوجي. أصبح التعايش مع كل ذلك أو حتى مع بعض منه، جريمة بحق أنفسنا، وخيانة للأمانة بحق أجيال المستقبل.
ومما يزيد من هول المشهد؛ هو عدم وجود دلائل، من أي نوع كان، تشير إلى إدراك الأنظمة الرسمية والمجتمعات المدنية لفظاعة وحجم المخاطر التي تنتظر الجميع فيما لو استمرت تلك العوامل وعشرات كارثية غيرها، تلعب بمقدراتنا، وتقودنا إلى خارج التاريخ والعصر الحضاري للإنسانية.
دعنا مؤقتاً نضع جانباً الحلول المعروفة والضرورية، من مثل: الديموقراطية والعدالة الإجتماعية ومحاربة الفساد والتجديدات الثقافية والفكرية والتنمية الاقتصادية وغيرها، ولنطرح هذا السؤال: ما العامل الذي إن عجزنا عن تفعيله في واقع الحياة العربية؛ فستظل كل تلك الحلول علاجات جزئية قابلة للانتكاس من قبل الاستبداد والفساد الداخلي، وللاستباحة من قبل القوى الخارجية الطامعه فينا؟ والجواب، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، هو الإتفاق على، والعمل من أجل نوع ومدى ومحدودية المشترك الضروري اللازم والملزم فيما بين أجزاء الأمة العربية الواحدة وفيما بين الوطن العربي الواحد.
منذ انهيار «الخلافة العثمانية» وقيام الدولتين الاستعماريتين، (بريطانيا وفرنسا)، ببلقنة الوطن العربي، وتقسيمه فيما بينهما والقوى الاستعمارية ، بكل أشكالها ومسمياتها ومشاريعها وتدخلاتها الاستخباراتية وألاعيبها وأعوانها في الداخل، تسهم بحيوية في نقل هذا الجزء أو ذاك من الأرض العربية من أزمة إلى أزمة. وهي تفعل ذلك في الأغلب من خلال استفراد بالجزء، واستفادة من ضعفه، ومن عدم وقوف مجاله الحيوي العربي القومي معه في محنته ومقاومته.
ومن خلال كل ذلك استطاعت تلك القوى أن تخلق العداوات والصراعات فيما بين أجزاء الأمة من جهة، وفي إضعاف أو تدمير كل ما هو تضامني توحيدي مشترك، وفي إيجاد بلبلة فكرية سياسية تمحو الذاكرة العربية الجمعية، وتشكك في كل مقومات الهوية العروبية الواحدة من جهة أخرى. وحتى الدين الإسلامي، الذي كان يلعب دوراً أساسياً في المحافظة على الهوية العروبية، ومقاومة الانسحاق أمام الاستعمار ، استطاع الخارج أن يدخله بشتى الأشكال والصور الانتهازية في دوامة العنف والإرهاب؛ ليحطم أو يشوه سمعة هذا الجانب التاريخي الحضاري من مكونات الأمة.
لقد أدخلنا الاستعمار والمغامرون الانتهازيون الفاسدون في الداخل في تلك الحلقة المفرغة التي تدور حول نفسها منذ بدايات القرن العشرين، والتي تحتاج إلى تفكير وتخطيط وتنظيم وخطوات فعل لإيقاف دورانها؛ من أجل الانتقال إلى رحاب تقديم هذه الأمة للعالم كمكونات متناغمة متعاضدة متوحدة في مجالات الأمن القومي المشترك والتنمية الإنسانية والتعايش السلمي والمساهمات الحضارية.
لن يفيدنا في اللحظة الراهنة تحليل واستشراف ما في ذهن القوى المتآمرة علينا، طالما أننا غير قادرين على فعل شيء يصد شرها عن الأمة كلها. المطلوب هو تهيئة ما نصد به تلك الرياح العاتية التي تهب علينا من كل صوب، وهذا هو سؤال اللحظة الحالية الذي يجب أن يجيب عنه المفكرون والمثقفون والمناضلون العرب.

[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yyzauxoh