فيروز والرئيس الفرنسي

04:17 صباحا
قراءة 4 دقائق
جميل مطر

أكتب هذه السطور قبل أن يقول رئيس الجمهورية الفرنسية كلمته وفيها خطته. أكتبها وفي مقدمتها أسجل عشمي أن لا تذهب هباء لحظة تاريخية، لحظة التقاء رئيس فرنسا بالسيدة فيروز. أسجل عشمي لخشيتي من أن لا يجود الزمان بمؤرخين يقدرون فيروز وحب الناس لها وحبها لهم وللوطن فلا يحظى اللقاء بما يستحق من مساحة وتمجيد بينما تحظى اجتماعات ماكرون بالسياسيين بما لا تستحق.
التقى ماكرون بالسيدة التي غنت للبنان فازداد غنى على غنى، غنت فكان الشمل يلتئم حباً ووئاماً متحدياً الاغتيالات والسيارات المتفجرة ولؤم النهابين والفاسدين.
عشت دهراً وسط اللبنانيين. اختلطت ببعض قادتهم ورؤساء طوائفهم. عشت جانباً من حربهم الأهلية وجوانب عدة من حروبهم الكلامية. اليوم يحتفلون بالعيد المئوي لتدشين التجربة اللبنانية كما عرفناها في عديد مراحلها الحديثة. مئة عام لم يتوقف اللبنانيون خلالها عن مباشرة عملية بعد أخرى من عمليات التجميل، وبعضها انتهى بلبنان بالفعل أجمل وبعضها انتهى به أقل جمالاً وبعضها كاد يودي به. تجاوزها جميعاً وعاش. جرب عقد الميثاق الوطني ومن بعده أو متزامناً تفاوض على تثبيت هويته عند وضع بروتوكول الإسكندرية وميثاق جامعة الدول العربية.
لم تعرف المنطقة هدوءاً كالذي توفر مثلاً لأوروبا في ظل حلف الأطلسي ومشروع مارشال للإنعاش الاقتصادي، أو حتى كالذي توفر لدول شرق ووسط أوروبا في ظل مظلة سوفييتية ونظام حكم أرسى قاعدة تعليمية وحقق استقراراً سياسياً غاب مثيله عن المنطقة العربية. من دمشق انطلقت الانقلابات العسكرية تنذر بمستقبل ثم بحاضر لم يعرف إلى يومنا هذا استقراراً سياسياً. تأثر لبنان بالمد الناصري الذي أفلح في اختراق النظام الطائفي وفي الوقت نفسه أكد ضمان وحدة لبنان في مواجهة تقلبات السياسة في الإقليم في وقت توترت الأجواء السياسية إلى حد استحقت عند حد معين عنوان الحرب الباردة العربية بين قوى التقدميين وقوى المحافظين، ولبنان إحدى ساحاتها. ثم كان انتقال الثورة الفلسطينية من قواعدها في الأردن إلى قواعد جديدة في لبنان، ومن هناك منكسرة الجناح إلى تونس ومخلفة وراءها لبناناً مختلفاً عن لبنان الذي نزلت فيه قبل حفنة سنوات ضيفاً مسلحاً وغنياً.
لم يتحمل النسيج الطائفي في لبنان كثيراً من تبعات هذه التغيرات. هو نفسه تغير كما تغير النسيج الإقليمي في أعقاب حرب أكتوبر التي أطلقت سلاح النفط وبعثت بهنري كيسنجر إلى الإقليم يرتب ويسوي. كنت هناك في بيروت بعد أسبوعين من يوم وقعت فيه جريمة قتل لركاب حافلة تقل فلسطينيين كانت تمر في حي عين الرمانة، كنت ضمن رحلة استماع درنا فيها كل أنحاء الوطن العربي أو معظمه. استشعرنا ونحن في القاهرة بعد وقف الحرب العربية- الإسرائيلية وزيارات كيسنجر المكوكية أن بعض النسيج الذي تهتك في مصر ولبنان وبعض مجتمعات النفط لن ينفع معه الترقيع، وأنه إن شئنا عمقاً في قراءة حال الإقليم واتجاهات السياسة والتحالفات فيه أن نخرج إليه ونسأل ونسمع وبالفعل خرجنا وزدنا فهماً. ثم نشبت الحرب الأهلية اللبنانية متسببة بخراب ودمار عظيمين لبيروت الجميلة ومصرع عشرات الألوف، ومتسببة أيضاً في تراكم ثروات لم تكن قبل الحرب تخطر على بال رؤساء الطوائف. وبعدها انعقد على الطائف مؤتمر خرج أكثر الحاضرين منه سعداء بما حصلوا عليه في المؤتمر وبما سيحصلون عليه في عهد فساد ونهب عظيمين. عهد جرى تتويجه عصر ذات يوم بحريق هائل لحق به انفجار دمر للمرة الثانية بيروت، مدينتي التي فضلتها على معظم مدن العالم.
وجود ماكرون الرمزي يعني التزام العروة الوثقى، مناسبة مرور مئة عام على إعلان قيام لبنان الكبير، وإن تابعاً وقتذاك للإمبراطورية الفرنسية.
لبنان الكبير، هل حقاً ما زال يتسع لكل مكوناته فيعيش كل منها آمناً على نفسه ومستقبل عشيرته ضمن وطن وتحت مظلة قوانين مدنية ودستور عصري. بعض معلوماتي وعلاقاتي تؤكد أن أغلب القادة، قادة الطوائف الحاليين، قادرون عقلياً وبالخبرة والثروة الشخصية على الانتقال بطوائفهم ولبنان إلى وضع جديد. هم أيضاً قادرون على العيش في دولة عصرية. كلنا، وأقصد كل العرب، شهود على عقول بمعالم وثقافات شرق أوسطية تشترك الآن في رسم خرائط عامة وتفصيلية للإقليم الذي نعيش فيه. لا تحكموا على الطائفية بالزوال فهي دليل انتماء للشرق الأوسط وحضاراته وأديانه ولعلها إن تخلت عن السياسة تستطيع، مستعينة بفرنسا أو بغيرها، أن تبني لبنان مجدداً على أسس مشتقة من روافده العربية وروافد من حضارات أخرى في الإقليم تحركت مؤخراً لتزيل عن أسطحها أتربة العنصرية التي خلفتها عهود الإمبراطوريات البغيضة.
أحسن ماكرون بالالتقاء بفيروز وتكريمها. ومن جانبها أحسنت فيروز بقبول التكريم، فماكرون بالنسبة لأيقونة في مكانتها ليس أكثر من رسول من أم رؤوم إلى طفلها المتوعك. الدور الآن على ماكرون ليثبت أن فرنسا الدولة الأم قادرة على انتشال لبنان من براثن الانحلال فالزوال.

عن الكاتب

دبلوماسي مصري سابق وكاتب متخصص بقضايا العلاقات الدولية. اشترك في تأسيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام. وأنشأ في القاهرة المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل. عضو في مجلس تحرير جريدة الشروق المصرية ومشرف على صفحة الرأي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"