الأمة الأمريكية المتألمة

03:20 صباحا
قراءة 3 دقائق
عاصم عبد الخالق

كما يحدث دائماً تحول المؤتمران التقليديان للحزبين الجمهوري، والديمقراطي، اللذان يسبقان انتخابات الرئاسة الأمريكية، إلى مهرجان لتبادل الاتهامات، والانتقادات الحادة، والحرب الكلامية. وفي هذا النوع من التجمعات السياسية المشحونة بالحماس، وفي ذروة الحملة الانتخابية، تمتلئ كلمات المتحدثين بالمبالغات، والأكاذيب. ويسرف كل فريق في إغداق المديح على مرشحه، وانتقاد، بل تشويه المرشح المنافس، واغتياله معنوياً، إن أمكن.
ولم يكن هناك جديد هذا العام؛ فالمبالغات كما هي، والاتهامات الكاذبة والصحيحة تطايرت في كل الاتجاهات. قليل من الحقائق، وكثير من الأكاذيب. إلا أن الحقيقية التي لم يستطع احد أن يطمس معالمها، أو ينكر وجودها، هي أن أمريكا تمر بأزمة حقيقية لم يعد من الممكن تجاهلها بعد أن خيمت بأجوائها الثقيلة على مختلف مناحي الحياة.
وإذا كانت جائحة «كورونا» تنحسر، والاقتصاد يتعافى تدريجياً، وأرقام البطالة تتراجع، فإن مشكلة الانقسام الحاد في المجتمع، وبما فجّره من اضطرابات وعنف، تبقى هي الأسوأ، والأخطر، فلا توجد حلول جاهزة أو عاجلة لها، ولا يعرف احد إلى أي حد يمكن أن تتطور، ولا كيف ستنتهي.
ويدرك الجميع، حتى ولو لم يعلن كثيرون ذلك، أن العلة الحقيقية هي وباء العنصرية الكامن في نفوس عدد غير قليل من الأمريكيين. ومن ثم تؤدي الحوادث العارضة، مثل مصرع مواطن أسود على يد شرطي عنصري، إلى تفجر الاحتجاجات بفعل النفوس المسكونة بالغضب، والمشحونة بمشاعر الظلم، والافتقار إلى العدالة.
هذه التصدعات الاجتماعية على المستوى العام تقابلها تمزقات لا تقل خطورة على المستوى الفردي، ما يجعل المجتمع كله على شفا الانهيار، إن لم يكن قد بدأه بالفعل، على حد قول الصحفي الأمريكي، جلين جرينوالد، الذي ذاع صيته قبل سنوات، عندما نشر تفاصيل عن برامج التجسس العالمية لأمريكا، وبريطانيا.
وقبل أيام نشر جرينوالد محتوى دراسة حول تدهور الحالة النفسية والعقلية للأمريكيين، وإحباطاتهم المدمرة، وهي صادرة عن مركز الوقاية والسيطرة على الأمراض، وتستند إلى مسح عام أجراه في يونيو/ حزيران الماضي.
تضمن المسح سؤالاً للمتلقي حول ما إذا كان قد فكّر جدياً في الانتحار خلال الثلاثين يوماً الماضية، أي في ذروة أزمات «كورونا»، والتدهور الاقتصادي، والاضطرابات الشعبية. وأكد أن المقصود هو التفكير الجدي، وليس مجرد الخاطر العابر.
وجاءت النتيجة صادمة، حيث اعترف 25,5% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة بأنهم فكروا جدياً في الانتحار. وتراجعت النسبة إلى 16% في الفئة العمرية من 25 إلى 44 سنة، وبلغت بين السود والمتحدرين من أصول لاتينية 18,6%. والنسبة الأعلى، وهي 30%، كانت بين الحاصلين على تعليم أقل من الدراسة الثانوية. أما على المستوى العام فبلغت النسبة 10%.
ومن المهم هنا الرجوع لإحصاءات الاتحاد الأمريكي للطب النفسي التي توضح ارتفاع معدلات الانتحار بنسبة 30% بين 2000، و2016 وهناك ما بين 10,4 إلى 13,5 من بين كل ألف ينتحرون.
نتيجة أخرى خطيرة كشفتها الدراسة، هي أن 40,9% قالوا إنهم عانوا متاعب نفسية، أو سلوكية بما في ذلك الإحباط، أو الضغط العصيب خلال مرحلة الأزمة.
ولكي يكتمل المشهد الدرامي نشير إلى بحث نشرته مجلة «نيويوركر»، في مارس/ آذار الماضي، لاثنين من أساتذة الاقتصاد في جامعة برينستون، بعنوان «لماذا يموت الأمريكيون بسبب اليأس أو الإحباط؟». إحدى عباراته القاسية تقول إنه لا يجب قياس درجة انعدام العدالة الاقتصادية بالدولار فقط، ولكن بأعداد المتوفيين أيضاً، في إشارة إلى ما تسببه من إحباط، ومعاناة تنتهي بالوفاة.
يبقى السؤال: لماذا ينتحر المواطنون في أغنى وأقوى دولة في العالم؟ يجيب الدكتور لوريل وليامز أستاذ الطب النفسي، بأن السبب هو الافتقار إلى الحياة الاجتماعية، حيث يقضي المواطن معظم وقته أمام التلفاز، أو الكمبيوتر، وليس مع بشر مثله.
إذا لم تكن لديك أسرة وأصدقاء فلن تجد من تشكو إليه عندما تتألم، ومن هنا تنبع عذابات الأمريكيين.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yxfssj55