تحقيق: جيهان شعيب

بعض القضايا المجتمعية كالديون تستوجب السداد بالبحث المدروس والمناقشة المتواصلة والحلول الموضوعية، دون تجاهلها أو إهمالها وتخطيها، حتى لا تستفحل، وتتعمق، بما يصعب معه قمع ضررها، وتقليص سلبياتها، حيث لا فائدة للندم أو البكاء بعد «انسكاب اللبن».
ومن تلك القضايا سيئة العواقب، كثير من الألعاب الإلكترونية التي يصادقها الأطفال بل ربما يدمنونها، ومن مخاطرها ما قد يصيب نفسياتهم وعقلياتهم ووعيهم في مقتل، فمنها ألعاب تحرض على الانتحار، وأخرى تفسد الأخلاقيات، وبعضها يشكك في العقيدة، أو يسقط الطفل في خوف مرضي، قد يوصله إلى حد الفزع من أمور وأشياء كثيرة يراها فيها.

وتفصيلاً توجد أكثر من 15 لعبة إلكترونية تسهم في تدمير أخلافيات الصغار، منها لعبة «grand theft auto» وهذه اللعبة تتضمن جرائم قتل، ودعارة، ولعب قمار، وخروج على القانون، وسب بكلمات بذيئة، ولعبة «leisure suit larry» وتحوي صوراً إباحية، وإيحاءات خارجة، وشخصيات ترتدي ملابس فاضحة، وهنا «god of war» وهذه اللعبة مملوءة بآلهة أسطورية، تطلب من اللاعب تنفيذ أمور معينة ليكون عبداً صالحاً للآلهة، علاوة على لعبة «the witcher» وتتضمن أفكاراً شيطانية غريبة غير مفهومة، ولقطات إباحية لا تصلح بحال، إلى جانب «out last» وهي لعبة عنيفة ومرعبة ومخيفة، تضم مشاهد شيطانية، واعتداء وعنفاً جنسياً، ولعبة «gal cun» وهي عبارة عن طالب يدخل مدرسة للبنات، فيعجبن جميعن به، وعليه التعامل مع الإعجاب، وكذا لعبة «dead or aliv» وتتلخص في فتاة ترتدي مايوهاً «بكينياً» طوال اللعبة وعلى اللاعب ملاحقتها، وغيرها من الألعاب التي من النوع ذاته، وإن تنوعت مضامينها التي تغرر بالأطفال، في غفلة من أسرهم، وربما دون انتباه منهم لما قد يلحق بسلوكيات ونفسيات فلذات الأكباد، الذين يعتبرون رأس المال الحقيقي لأسرهم، والمستقبل الواعد لوطنهم.
وكانت دراسة للرابطة الأمريكية للطب النفسي بينت أن الأطفال الذين اعتادوا ممارسة ألعاب الكمبيوتر، خاصة العنيفة زاد لديهم السلوك العدواني واتسموا بسرعة الغضب، علاوة عن انعزالهم عن محيطهم الاجتماعي، فيما كانت شرطة دبي أعلنت احتواء بعض الألعاب الإلكترونية على برامج تجسس واختراق، يمكنها سحب المعلومات والصور، مسجلة عام 2017، 685 بلاغاً لجرائم تقنية المعلومات، فضلاً عن ذلك فقد أدرجت منظمة الصحة العالمية إدمان الألعاب الإلكترونية ضمن الأمراض النفسية، فيما سينتهي المركز الوطني للتأهيل خلال أشهر قليلة، من وضع تصور ونسب لإدمان شباب الجامعات على الألعاب الإلكترونية والإنترنت بشكل عام.
التأثير الضار لمثل هذه الألعاب في الأطفال وانعكاساتها المسممة لكياناتهم، والمطلوب من الجهات التربوية والاجتماعية والأسرية لحمايتهم من الانزلاق وراءها، والانخداع بما توجه وترشد إليه «المدمرات» الإلكترونية المسماة ألعاباً، تدور حوله الأقوال:
المنظومة الأخلاقية
تعدد شريفة موسى عضو المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة، رئيس جمعية المعلمين مجموعة من الانعكاسات السلبية التي تلحق بالأطفال جراء الانغماس في الألعاب الإلكترونية، بادئة بالقول: لا شك إن وقوع الأطفال والشباب أسرى للألعاب الإلكترونية، وبقاءهم لساعات طويلة معها، يشكل خطورة وظاهرة لا تخلو من مخاطر صحية، ونفسية، بموجبها يظهر نوع جديد من الإدمان وهو الإدمان على الألعاب الإلكترونية مع غياب متابعة الأهل، ما جعل الأطفال يعيشون في عوالم افتراضية، بعيداً عن رقابة الأسرة، كما إن غياب الوعي لدى الأطفال والمراهقين بخطورة هذه الألعاب، وشغفهم بالمغامرة، وحب الاستكشاف، ومواجهة التحديات، ورغبتهم في ملء الفراغ، يؤدي إلى فصلهم عن واقعهم، ودخولهم في حياة وهمية، يتحاورون فيها مع أصدقاء افتراضيين لهم خلفيات، وأفكار، وقيم لا تتوافق مع مجتمعاتنا، فضلاً عن تسبب هذه الألعاب في إصابة الطفل بالكثير من الاضطرابات السلوكية والنفسية، والتي تؤدي إلى التوحد الافتراضي، والانطواء، إضافة إلى آثار سلبية أخرى ذهنية واجتماعية، وضعف البصر وقلة التركيز، والتشتت، والصداع، والتوحد، والاكتئاب، وإهمال الواجبات الاجتماعية والأسرية، وضعف التحصيل الدراسي، وفقدان العلاقات الاجتماعية، وتقلب المزاج السريع، وفقدان الاهتمام بالأنشطة البدنية والحركية، إضافة إلى شعور الطفل بآلام في الظهر والرقبة، وضعف بالعضلات، وسمنة مفرطة، وكسل شديد، وخمول، واضطراب في النوم، ما يجعل الطفل يدخل فترة المراهقة، وهو لا يرغب في العمل أو الإنتاج، لفقدانه المقدرة على التفكير، وانحسار العزيمة والإرادة لديه، وربما يصاب بالرهاب الاجتماعي نتيجة عدم قدرته على التعامل مع الناس، إضافة إلى خلل في المنظومة الأخلاقية، فهذه الألعاب تحتوي على حركات مخلة لا تتناسب مع المجتمعات، وتم إقحامها في تلك الألعاب دون مبرر، علاوة على ألعاب تحث المراهقين على الانتحار، والقتل، وممارسة السحر والشعوذة، مثل لعبة الحوت الأزرق.
لذا فإننا نطالب الجهات المختصة بفرض الرقابة على المحال والمواقع الإلكترونية التي تبيع هذه الألعاب، وتروج لها، ونناشد الأسر بضرورة ترشيد استخدام الأطفال لها، فالآباء والأمهات هم القدوة وهم صانعو التغيير في حياة أبنائهم، لذا عليهم وضع قواعد للأبناء للاستخدام السليم للألعاب الإلكترونية على ألا تتجاوز مدة استخدامها من ساعة إلى ساعتين في اليوم، وتحت رقابة الأسرة، مع التدقيق في نوعية الألعاب التي يقتنيها أبناؤهم، بحيث تكون ذات محتوى تفاعلي تعليمي تثقيفي، وتبث روح التحدي والمنافسة في نفوس الأبناء، وتنمي فيهم مهارات التفكير الناقد، وأسلوب حل المشكلات، كما على الأسر أن تعمل على توفير جودة الحياة الرقمية لأبنائها.
يجب إشراك أبنائنا في الألعاب الحركية، والنشاطات الاجتماعية والرياضية، التي تنمّي مهارات التواصل الاجتماعي، وتضمن لهم النمو الجسدي والعقلي السليم.
وأناشد وسائل الإعلام والمؤسسات الشبابية بنشر الوعي بين الشباب، وابتكار برامج جاذبة تلبي احتياجاتهم وحبهم للاكتشاف، والتحدي، وتبث روح المنافسة في نفوسهم، فالمسؤولية مشتركة لا بد أن يتكاتف كل أطياف المجتمع من الأسرة، والمؤسسات المجتمعية، والشبابية، والإعلامية، والتربوية للحد من انتشار هذه الألعاب، وإيجاد بدائل مبتكرة تلبي شغف الأطفال والمراهقين بالتقنيات، والألعاب الإلكترونية، وابتكار ألعاب وطنية تعزز الهوية الوطنية وتتفق مع القيم.
مسؤولية مشتركة
وتأسف محمد راشد الحمودي، رئيس مجلس أولياء أمور الطلبة والطالبات بدبا الحصن التابع لمجلس الشارقة للتعليم على ظهور ألعاب خطرة في الآونة الأخيرة تخرب الأخلاق، وتخرج عن حدود الآداب، وتتنافى مع العادات والتقاليد، وتفسد العقول، حيث بحسب قوله: لاحظنا من خلال المتابعة بأن بعض الألعاب مخصصة للفئة ما فوق 18 عاماً، ولكن يتم تداولها وبيعها للأطفال، وهذه كارثة، حيث لا بد من المؤسسات المشرفة على التنمية الاقتصادية، مراقبة الأسواق التي تبيع تلك الألعاب، ويجب أن تتكامل الأدوار الأمنية، والتربوية، والاجتماعية، والإعلامية في مواجهة هذه الألعاب، فالمسؤولية مشتركة في ذلك، مع تكثيف التوعية للأسر والأطفال بخطورتها، ومهما تنوعت التوعية، يقع العاتق الأكبر على أولياء الأمور والأسر في اختيار ألعاب الأطفال، لأن تلك مسؤوليتهم بشكل أساسي، للمحافظة على الأطفال من السلوكيات الخاطئة التي تدمر الأخلاق، والبعيدة عن القيم والسلوكيات المجتمعية التي تربينا عليها، ولحماية صحتهم النفسية، وسلامتهم العقلية، ومن الأهمية بمكان عدم تركهم لفترات طويلة أمام الألعاب الإلكترونية، وتقنين ذلك.
رسائل تحذيرية
ويرفض المستشار علي محمد النابودة إلقاء اللوم على أولياء الأمور في هذه القضية، لأنه يرى أنها مسؤولية مشتركة، ولا يمكن بحال تحميلها للآباء والأمهات وحدهم، أو لأية جهة بعينها، لأن الجيل الحالي يفوقون الآباء في الجانب الإلكتروني، بحيث أن أغلبهم لا يتقنوننها كالأطفال، قائلاً هنا: لابد من توجيهات من وزارة التربية للمعلمين في المدارس للتأكيد على الأبناء بتجنب دخول مواقع غير معروفة، لخطورتها على الطفل نفسه، والدولة، وعلى من حوله، مع إرسال رسائل تحذيرية وتنبيهية يومية للأبناء عبر طابور الصباح، أو عبر شخصيات محببة لديهم بذلك، ومن يأتي دور ولي الأمر في منع الهواتف المتحركة مع الأبناء وحدهم ليلاً في غرفهم، وكذا الأجهزة الإلكترونية اللوحية، والوقوف على من يحادثونهم عبرها، والجلوس إلى جانبهم خلال لعبهم، ومراقبتهم دون تنبيههم لذلك، وتحديد أوقات محددة لهم في استخدامها، ولابد أن يكون الرقم السري لهذه الأجهزة الإلكترونية مع أسرهم، إلى جانب وجوب مشاركتهم ألعابهم الإلكترونية، للتأكد من فحوى الألعاب وفائدتها، دون ضررها.
ويجب على المجلس الوطني للإعلام، أو هيئة تنظيم الاتصالات، وغيرها من الجهات المعنية التكاتف، بالوقوف على الألعاب الإلكترونية الحديثة التي تطرح في الأسواق كل حين، لمراقبتها، والتأكد من جودتها وفائدتها، دون أن يكون بها ما يخدش الأخلاقيات، أو يمس الدين، أو قيمة الدولة ومكانتها، وغير ذلك، للحفاظ على الشباب وهم ثروة الوطن، الذين يجب الحرص التام على الحفاظ عليهم، علاوة على دور المساجد في التوعية برسائل تحذيرية وتوعوية عبر الجهات المعنية بالشباب، مع نشر أي من المواقف السيئة التي قد يمر بها أي منهم، دون ذكر الأسماء، والجنسية، للتوعية، وإعطاء عظة وموعظة للآخرين.
منع الترويج
بحسب المستشارة القانونية منوهة هاشم: الألعاب الإلكترونية تمارس منذ سنوات طويلة، لكنها لم تكن بالكيفية التي عليها الآن، من ممارسة الأطفال والمراهقين لها بكثافة وشغف، وفي حالات كثيرة دون رقابة أولياء الأمور، فمعظم الألعاب الإلكترونية ذات خطورة كبيرة على هذه الشريحة المهمة في المجتمع، لأنها تدفعهم إلى العنف وممارسة بعض السلوكيات الغريبة وصولاً إلى الانتحار، وإيذاء النفس، عدا عن انتهاك الخصوصية عبر تسريب المعلومات الخاصة بالطفل المستخدم وتعريضه للابتزاز.
ومن جانب الجهات المعنية في الدولة فقد حظرت تداول تلك الألعاب الإلكترونية التي تؤثر في فئة الشباب وبالأخص الأطفال، كما منعت استيرادها من خارج الدولة، وأيضاً تم منع ترويج الألعاب الإلكترونية المحظورة في الدولة من خلال شبكة الإنترنت، وتم فرض عقوبة على من تسول له نفسه ارتكاب تلك الجريمة، حيث يعد قانون الجرائم الإلكترونية منوطاً بهذا النوع من الجرائم والمخالفات، والقانون الإماراتي يجرم انتهاك الخصوصية في قضايا جرائم الألعاب الإلكترونية، وفقاً لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقد قرر قانون حقوق الطفل بأن للطفل الحق في احترام خصوصيته وفقاً للنظام العام، والآداب مع مراعاة حقوق ومسؤوليات من يقوم على رعايته طبقاً للقانون، ويحظر نشر، أو عرض، أو تداول، أو حيازة، أو إنتاج أية مصنفات مرئية، أو مسموعة، أو ألعاب موجهة للطفل تخاطب غرائزه الجنسية، أو تزين له السلوكيات المخالفة للنظام العام، والآداب العامة، أو التي يكون من شأنها التشجيع على الانحراف في السلوك، لذا نؤكد على الرقابة.
صحيح أن الثقة مطلوبة بين الأبناء والآباء، ولكن لا يجب أن يترك الباب مفتوحاً على مصاريعه للأبناء.
ألعاب خطرة
من الألعاب الخطرة التي انتشرت بين الشباب في فترة من الفترات ولا تزال موجودة:
لعبة الحوت الأزرق: ظهرت عام 2015 ولا تزال متاحة عبر شبكة الإنترنت، ومنذ ظهورها تسبّبت في انتحار ما يفوق ال 100 شخص عبر العالم أغلبهم من الأطفال.
لعبة تحدي مومو: وتأتي على شكل وجه امرأة مرعبة على تطبيق «واتساب» وتتضمن تحدي الأطفال للتواصل مع حساب غير معروف، ثم تقوم وحدة التحكم الغامضة وراء الحساب، بإرسال صور عنيفة ومن ثم تهديدات إذا رفض اللاعب اتباع «أوامر» اللعبة.
لعبة مريم: انتشرت خاصة في دول الخليج، وسببّت الرعب للعائلات، لأنها في مرحلة من المراحل تحرض الأطفال والمراهقين على الانتحار، وإذا لم يتم الاستجابة لها تهددهم بإيذاء أهلهم.
لعبة البوكيمون غو: ظهرت عام 2016، وتسببت في العديد من الحوادث القاتلة بسبب انشغال اللاعبين بمطاردة والتقاط شخصيات البوكيمون المختلفة خلال سيرهم في الشوارع.
لعبة جنيّة النار: وهذه اللعبة تشجع الأطفال على اللعب بالنار، حيث توهمهم بتحولهم إلى مخلوقات نارية باستخدام غاز مواقد الطبخ، وتدعوهم إلى البقاء منفردين في الغرفة، حتى لا يزول مفعول كلمات سحرية يرددونها، ومن ثم حرق أنفسهم بالغاز، ليتحولوا إلى «جنية نار»، وقد تسببّت هذه اللعبة في موت العديد من الأطفال حرقاً، أو اختناقاً بالغاز.
لعبة تحدّي شارلي: انتشرت على شبكة الإنترنت عام 2015، واستهدفت أطفال المدارس، وتعتمد في لعبها على الورقة وأقلام الرصاص لدعوة شخصية أسطورية مزعومة ميتة تدعى «تشارلي» ثم تصوير حركة قلم الرصاص مع الركض والصراخ.
لعبة دوكي دوكي: وهي عبارة عن تطبيق للمواعدة بين المراهقين، يبدأ بشكل جذاب، ثم تبدأ اللعبة في أخذ طابع سلبي، يدفعهم للاكتئاب وأحياناً الانتحار.
مراقبة محال ومواقع
تحاول بيع الألعاب الخطرة
إيجاد بدائل مبتكرة تلبي شغف المراهق بالتقنيات
تصنيع ألعاب وطنية تعزز الهوية وتتفق مع القيم