عادي

«الحــديقــة الحمــراء»..ســرد يفــوح برائحــة الجنــون

نبض المواقع
02:30 صباحا
قراءة 3 دقيقة

الشارقة: علاء الدين محمود

يمارس الكاتب المغربي محمد آيت حنا، في روايته «الحديقة الحمراء»، الصادرة عن منشورات دار الجمل للنشر والتوزيع، عام 2019، لعبة التحليق في سماوات الفانتازيا، وعوالم لا متناهية من الخيال والمجاز، حيث إن كل تفاصيل العمل وحكاياته تمتاز بالغرائبية، من العنوان وحتى الشخوص والأحداث والمكان والزمان والوصف العجائبي، وأبطال العمل شخصيات مصابة باختلالات نفسية، يكاد حديثهم أن يكون ضرباً من الهذيان ونوبات من الجنون، غير أن حوارات الذات التي يجرونها مع أنفسهم ومع الآخرين، تحمل رؤى ومواقف فلسفية غريبة في تناولها للإنسان والوجود بصورة عامة، واللافت في الرواية ذلك الوصف الغريب لحديقة متخيلة، وما تعج به من كائنات عجيبة تبدو وكأنها قد أتت من أزمنة سحيقة غامضة.

يحكي العمل، بصورة أساسية، قصة لشخصيتين، الأول موظف أحيل إلى المعاش، ويعيش في ظل فراغ عريض تنتج عنه هواجس وظنون، ليتطور الأمر إلى مرض نفسي، فينتابه ظن أن هنالك من سرق أحلامه، فيظل يشكو ما ينتابه من مشاعر متناقضة وغريبة إلى شخص «متخيل»، يتحدث إليه بصورة مستمرة، فقد تمكن منه الجنون وصار يخلط بين ما هو واقعي وما هو متوهم، فيلجأ إلى طبيب نفسي، ويحكي له ذات الحكايات التي كان يرويها للشخص المتخيل، ويكتشف الطبيب المعالج أن مريضه يتمتع بمعارف فلسفية كبيرة، بل ويتفوق عليه في بعض الأحيان في جانب التحليل النفسي، وتكشف الحوارات المتبادلة أن الأزمة النفسية التي ألمت بالمريض تعود إلى اختلالات في الطفولة، أما الشخصية الأخرى فهي حارس مرمى يمر بأحداث غريبة وموجعة وقاسية، فيصاب بالاكتئاب، ويقوم في النهاية بالانتحار، لكن قصته لا تنتهي بوضعه حداً لحياته، بل تبدأ من جديد تفاصيل أحداث أكثر غرابة.

الرواية وجدت صدىً كبيراً بين القراء في المواقع القرائية المتخصصة، وذهب الكثيرون منهم إلى أن العمل يعد من الروائع التي ستخلد في الأذهان.

«عوالم دانتي والمعري»، هكذا وصف أحد القراء الرواية، عندما قال: «أخذنا العمل، خاصة في جانب الوصف، إلى دنيا من العجائبيات والغرائبيات، فهو أقرب إلى أسلوبي دانتي، وأبي العلاء المعري في رائعته (رسالة الغفران)، وقد استطاع المؤلف ببراعة شديدة أن يضع بصمته الخاصة، عبر صنع فانتازيا تتناول الإنسان في الزمن المعاصر حيث حياة العزلة وتفشي الجنون»، في ما يشيد قارئ آخر بالذخيرة المعرفية الكبيرة عند المؤلف، ويقول: «الحوارات والنقاشات الفلسفية العميقة، التي حملها السرد تنم عن خلفية فكرية كبيرة عند الكاتب وثقافة وسعة اطلاع، فقد قدم لنا، في يسر وخفة، عصارة أفكار فلاسفة كبار، ونجح في ذات الوقت أن يمرر موقفه الفكري الخاص في نسيج الرواية».

ويشيد قارئ بالمقدرة الأسلوبية عند المؤلف خاصة في اشتغاله على عوالم أبطال القصة، ويقول: «نجح الكاتب في صنع مسارين للأحداث، في كل واحد منهما قصة شخص مختلفة عن الآخر، لكنهما يلتقيان في سمات معينة، ومصير متشابه، حيث جن الأول وانتحر الآخر، وكل من المسارين يشكل البناء الدرامي العام للعمل»، وتعلق قارئة على الخاتمة، فتقول: «لعل أفضل ما في العمل أنه جاء بلا نهاية، حيث اعتمد على فطنة القارئ في تخيل مآلات الأحداث، وكذلك في ملء الكثير من الفراغات التي حفلت بها الرواية، فالقصة تعتمد بصورة أساسية على تأويلات القارئ، حيث إن العمل غير تقليدي، فهو لا يعتمد على حبكة وتطور للأحداث ثم نهاية تقليدية»، وعلى ذات المنوال تقول قارئة: «رغم تشظي الحكاية وتناثرها إلى قصص فرعية مختلفة، فقد نجح الكاتب في الإمساك بخيوطها بإحكام تام».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"