زخم السلام يستبق الأحداث

03:08 صباحا
قراءة 3 دقيقة
مهرة سعيد المهيري

معاهدة السلام الإماراتية تؤسس لنظام إقليمي جديد قائم على استكشاف الفرص ومواجهة التحديات

حتى قبل أن يذهب الوفد الإماراتي إلى واشنطن للتوقيع في البيت الأبيض على اتفاقية السلام بين الإمارات وإسرائيل، تحركت البحرين للانضمام إلى المبادرة الإماراتية، وأرسلت سلطنة عمان إشارة بأنها قد تكون التالية. هذا يلخص طبيعة هذه المبادرة والزخم الذي اكتسبته بسرعة لافتة.

الدبلوماسية الإماراتية ليست من النوع المتسرع. تدرس أبعاد أية خطوة مقدماً، وتقيّمها ضمن معطيات المرحلة، ثم تبادر بكل جرأة. لا تتردد بسبب الاعتبارات الدعائية، لأنها تدرك أن الآخرين المتضررين من جهود السلام، سيعملون كل ما بوسعهم لكي يشوهوا مقاصد السياسة. لكن دولة الإمارات ليست من النوع الذي يأبه للدعاية، وتضع اعتبارات مصلحة البلاد وشعبها والأمن الإقليمي وحقوق الآخرين في الاعتبار. ولهذا كانت المبادرة، ولهذا تحقق الزخم.

إن توقيع اتفاقية السلام بين الإمارات وإسرائيل هو عبارة عن توقيع معاهدة سلام إقليمي للمنطقة ككل. اتفاقهما هو ثالث اتفاق سلام بين إسرائيل ودولة عربية، بعد مصر (1979) والأردن (1994)، حيث سيخلق ديناميكية جديدة على ثلاثة مستويات: المحلية والإقليمية والدولية. وأن الاتفاق سوف يتجاوز مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، ليؤثر في الواقع الاستراتيجي في إقليم الشرق الأوسط ككل، بل ليس من المبالغة القول إنها ستؤثر في الواقع الاستراتيجي القائم في أقاليم أخرى مجاورة مثل إقليم جنوبي آسيا. وها هي البحرين تعلن توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل.

سوف تسهم معاهدة السلام بين الإمارات وإسرائيل بلا شك في تعميق حالة الارتباط بين منطقة الخليج العربي و«منطقة المركز»، كنتيجة مباشرة لزيادة حجم التفاعل والمعاملات السياسية والاقتصادية بين طرفي المعاهدة. وتزداد فرص هذا التحول في حالة التحاق دول أخرى في منطقة الخليج بهذا الاتجاه. ومع أن هناك معاملات تاريخية ضخمة بين دولة الإمارات وعدد من دول «المركز» (بعضها كان طرفاً مباشراً في الصراع العربي- الإسرائيلي)، إلا أن التدشين لمرحلة من التفاعل الكثيف بين الإمارات وإسرائيل، سيُعمِّق بلا شك من حجم التفاعل والارتباط الخليجي مع منطقة المركز لعوامل تتعلق بخصوصية إسرائيل، ومن المتوقع أن تؤدي المعاهدة إلى زيادة فرص التعاون والتنسيق الإماراتي-الإسرائيلي فيما يتعلق بالتهديد الإيراني، سواء لجهة خصوصية هذا التهديد بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام بسبب السلام، وسعياً لتحقيق سلام دائم.

يجب أن نواصل العمل، لأن معاهدة السلام الإماراتية تؤسس لنظام إقليمي جديد، قائم على استكشاف الفرص ومواجهة التحديات. إنّ معاهدة السلام هذه هي ثمرة مجهود قادة أبطال. ولا نغفل عن فوائد التبادل الاقتصادي والتكنولوجي مع إسرائيل.

إن توقيع الاتفاقية ليس قراراً إماراتياً انفرادياً كما يحاول البعض تقديمه. إن اتفاقية السلام سيترتب عليها خلق طاقة جديدة، وتغييراً إيجابياً في العلاقة الإسرائيلية العربية، أن هذا الاتفاق خطوة مهمة لبناء شرق أوسط أكثر سلاماً وأمناً ورخاءً، وسيشكل حقبة جديدة في العلاقات العربية الإسرائيلية.

تعمل المعاهدة على تحريك العمل المشترك لأجل تسوية سياسية عادلة واتفاقات مشتركة في المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والسياحية والثقافية، إن الإمارات وإسرائيل تملكان الكثير من المقومات، والتعاون بينهما ستكون ثماره على الجميع، فعلى المستوى الاقتصادي نحن أمام دولتين من أكبر الاقتصادات في المنطقة، وبالتالي نحن أمام فرصة سانحة وكبيرة لمزيد من الاستثمارات بين البلدين. أن معاهدة السلام التاريخية ستخلق فرصاً واعدة للتعاون في مجال الطاقة، حيث تحتل الإمارات المرتبة السادسة بين مصدري النفط الكبار في العالم، كما أن إسرائيل تمتلك احتياطيات ضخمة من الغاز، والدولتان من اللاعبين الرئيسيين في سوق الطاقة عالمياً. كما أن المجال رحب للتعاون في مجالات الصحة والبيئة.

إن توقيع اتفاقية السلام يعد إنجازاً يضاف إلى سجل الإنجازات المشرقة لدور الإمارات في كافة الميادين والصُّعُد.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"