حياد لبنان عمره 221 سنة

03:19 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. نسيم الخوري

خفت صوت الثوّار بسبب قمعهم من الحزبيين والمذهبيين وأجهزة الأمن و«كورونا» وانفجار بيروت والحرائق المتنقّلة.

«بريق «الثورة» في لبنان» عنوان الكتاب الصادر للأكاديميين بشارة حنّا وعصام خليفة وكاتب المقال. كان يفترض توزيعه بمئوية لبنان الكبير في 1 أيلول (سبتمبر) 2020 لكنّ «كورونا» حالت دون ذلك. وضعنا مصطلح «الثورة» بين قوسين، لأسبابٍ متعدّدة أوّلها، أنّ مدلولاً تاريخيّاً معقّداً للمصطلح وأعبائه نبع انقسامات في تواريخ الشعوب، وثانيها عائد لتعددّية الحراك/الثورة في لبنان وتنوّعه وتسلّل الأحزاب إلى صفوفه. خفت صوت الثوّار بسبب قمعهم من الحزبيين والمذهبيين وأجهزة الأمن و«كورونا» وانفجار بيروت والحرائق المتنقّلة، وفشلت الطبقة السياسية في تأليف حكومة تدير سقوط «لبنان نحو الجحيم» كما قال الرئيس ميشال عون.

لنقل أنّ لبنان يعيش انفجار نظام الجمهورية. أذهب بعيداً نحو ثورة نابليون بونابرت، متوخّياً مقارنات في التغيير حافلة بالعبر والدروس. تبدو الفئات الحاكمة متشابهة في معظم الدول وينقسم الناس حولها تحت عناوين حافلة بالنفعية والتماهي لتسلّق سلالم السلطات. المنافقون والمتآمرون ينجحون غالباً أكثر من سواهم في لعبة السلطات. ولو قمنا بطلاء تلك الفئات بالألوان الجميلة، فإنّنا لا نخفي عنها ملامح الكبر والتعالي والعجرفة لطالما هم في السلطة لكنهم يصبحون بشراً فينتابهم الهلع والجبن حيال المخاطر. لاح هذا الخوف في لبنان لكن تمّ إخفاؤه في تيه التدخلات الإقليمية والدولية.

كان يدهشني، أثناء دراساتي العليا في باريس، منسوب الحقد والاحتقار لنابليون من أقراني الفرنسيين. كان نابليون يعتبر أنّ الدول وحتّى البشرية لا يمكن إدارتها أو تمثيلها بالدمى بل بالقادة. صحيح أنّ نابليون فقد إمبراطوريته في جبال إسبانية وثلوج روسيّة واستعادها لمئة يومٍ فقط قبل أن يضيّعها منفيّاً في سهل واترلو، وصحيح أنّه أكمل معاركه الكبرى حتّى بدايات تسميمه بالزرنيح من أقربهم إليه، فور نفيه مجدداً إلى جزيرة سانت كاترين وموته هناك، لكن الأصح من هذا قوله اللافت هناك:«لو بقيت في مصر لكنت اليوم إمبراطور الشرق. لم يسئ أحد لي إطلاقاً...لكنني أسأت لنفسي، وأكبر أعدائي هم الذين ما عارضوني يوماً، بل كانوا يخضعون لي بسهولة مسببين الجراح الكثيرة والمنفى الذي سأموت فيه».

تؤرّخ الكتب العربيّة في المدارس والجامعات لعصر النهضة العربية بدخول نابليون إلى مصر1789. وكانت الدولة العثمانية تساندها بريطانيا وروسيا تعمل بقوّة لإخراج الفرنسيين من مصر. وقعت أكثر من معركة وأهمها معركة أبي قير البحرية (أوّل آب 1798) من دون نتيجة. أصدر الباب العالي في العام 1799 فرماناً، نادى فيه المسلمين للدفاع عن مهد الإسلام بوجه الفرنسيين الملحدين، لكنّ نابليون لم يعره أي اهتمام، بل راح يقوّي الصيت المتداول باعتناقه الإسلام، متبرّئاً من العدائية التي أورثتها الحروب الصليبية. وصار يؤدّي الفرائض الدينية بصفته حاكماً اسمه «بونابردي باشا»، وأسماه المصريون «علي نابليون بونابرت»، يتجوّل بالملابس الشرقية والعمامة والجلباب ويتردد على المسجد أيام الجمعة مشاركاً بالشعائر الدينية والصلاة.

عندما أيقن نابليون أنّ الأساطيل العثمانية والروسية والبريطانية الحليفة بدأت تتجهّز في البحر المتوسط لقتاله وإخراجه من مصر، قرّر مفاجأة العثمانيين باحتلال بلاد الشام قبل أن يستكملوا استعداداتهم. قاد جيشه عام 1799 نحو سواحل الشام فاحتلّ العريش وغزة ويافا والرملة وحيفا ليصل إلى صور في جنوبي لبنان وتوقّف هناك.. لماذا؟

لأنّ مدينة عكا بقيادة «أحمد باشا الجزار» صمدت في وجه بونابرت لتتعادل قوى الفريقين. هكذا تطلّع نابليون والجزّار نحو بشير الشهابي الثاني أمير لبنان من 1788 حتّى 1840، بصفته أميراً قادراً على ترجيح من يُساعده وتأمين فوزه عبر ما يُقدمه من رجال ومؤن. كتب الاثنان لبشير طالبين المساعدة، وقد وعده نابليون بتوسيع إمارته وتخليص بلاد الشام من حكم الجزار الذي طلب بدوره من الأمير بأن يساعده عسكريّاً مقابل أن يعيد له مدينة بيروت كلها إلى إمارته.

اتّخذ الأمير بشير موقفاً محايداً من الاثنين. لم يجب على رسالة بونابرت، متجاهلاً المؤن التي زوّد بعض الأهالي بها الجيش الفرنسي، واعتذر من الجزار لعدم نجدته، زاعماً أن أهل لبنان امتنعوا عن طاعته بعد أن بلغهم أن الجزار قد عزله عن الحكم، وولّى مكانه أبناء الأمير يوسف الشهابي.

منذ أسبوعين، بلغ سيل التقاذف السياسي والديني الذرى في لبنان، بعدما اقترح البطريرك بشارة الراعي «مذكرّة لبنان والحياد الناشط»، بمناسبة مئوية إعلان دولة لبنان الكبير الذي قام وقتها على الحياد. وإنّني أمام حيادٍ لبناني يعود إلى 221 سنة لا مئة سنة وحسب.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"