الشارقة: علاء الدين محمود
الدفقات الإنسانية البديعة، والالتفاتات الحانية في رواية «الدفتر الكبير»، للكاتبة الهينغارية أغوتا كريستوف، «1935 2011»، الصادرة عربياً عن دار منشورات الجمل، ترجمة محمد آيات حنا، نابعة من حياتها التي عاشتها في زمن الحرب والتشرد وهي لم تزل صغيرة، حيث كان الموت في كل مكان، وكان الأمل في هجرة تنقلها إلى عالم أفضل، فكان أن قطعت في معية أسرتها طريقاً طويلاً إلى فرنسا هروباً من الدمار، والرواية تتناول سيرة الحرب، وكيف عاشت هي وشقيقها ويلاتها، وترصد المآسي الناجمة عنها، فقد ظل شبح الموت مخيماً، وكان الدمار والانتقام في كل مكان، وأنتج كل ذلك حياة من الرعب والتعاسة علقت بذاكرة طفلة صغيرة، وتحاول المؤلفة أن تشفي نفسها عبر الكتابة كفعل مقاوم؛ لذلك تستدعي كل تلك التفاصيل، عبر ذاكرة لم يفلت منها شيء، لتلقي بتفاصيلها في حضن السرد.
والمفارقة، أن الكاتبة كانت تتمرن عبر الرواية على الكتابة بالفرنسية، تلك اللغة الجديدة عليها، فكان السرد هو وسيلتها للتعلم، وللاحتفاظ بما علق في الذاكرة حياً؛ لذلك فإن السرد يأتي في هذا العمل طفولياً وسلساً وبسيطاً وشائقاً، فهي تروي حكاية، لكن بالطبع لا تقع في أحابيل التبسيط المخل؛ إذ إن قوة الوصف، وصناعة الصور والمشهديات، واللغة البديعة، والكوميديا الساخرة الداكنة، كلها تقنيات وأسلوبيات صنعت تفاصيل قصة بديعة، وأقامت معماراً جمالياً لا يخلو من الرؤى والأفكار.
وجدت الرواية حظاً كبيراً من القبول عند القارئ العربي، وأجمع القراء في المواقع القرائية المتخصصة على جودتها وتميزها.
«نشيد الذاكرة»، ذلك مقترح عنوان للرواية تقدم به أحد القراء، ويقول: «الأحداث في العمل، هي من صنع تداعي ذاكرة قوية وحية، يأتي السرد متدفقاً ومندفعاً كقصيدة ملحمية، بفعل حضور كل التفاصيل في ذهن الكاتبة»، فيما يشير آخر إلى التفاصيل الصغيرة المهملة التي أثرت العمل كثيراً ومنحته بعداً جمالياً، ويقول: «البديع في الرواية أنها اهتمت بالأشياء الحميمة، في حكاية الرحلة إلى فرنسا، خاصة المعجم الكبير الذي كانت تتبادل حمله مع شقيقها، ويحرصان عليه؛ لكونه يمثل لديهما المفتاح لدخول مجتمع جديد عليهما ومختلف من حيث اللغة».
«ملحمة عبثية»، هكذا وصف أحد القراء الرواية، عندما شبهها بالأعمال التي تنتمي لأدب العبث، رغم صغر حجمها، ويقول: «رواية تحفل بنقد الشر والحرب وفساد الأخلاق والنفوس، وقسوة المجتمع، وكذلك بالفكاهة العبثية الداكنة والساخرة، ورغم أننا لا نلمح تشظياً للسرد، فإنه يأتي مستلهماً عوالم مسرح صمويل بيكيت، وأوجين يونسكو، لقد استعارت أسلوبية العبث لتطل به على أحداث واقعية وبسيطة لترفع من قيمتها»، وعلى ذات المنحى، يقول قارئ: «إن الكاتبة لم تكن تعيش عبر السرد رهينة للماضي فقط، رغم أن الحاضر ظل غائباً، لكنه موجود عبر إشارات عابرة، فهو حاضر في ثنايا الأمل الذي ظل يعيش في قلب المؤلفة، وهو انتظار قريب من انتظار جودو، الذي قد يأتي أو لا يأتي، ولكن يبقى الأمل موجوداً يحرض على الحياة».
و يشير قارئ آخر إلى البساطة في السرد ويقول: «الحكاية تليق بالأطفال الذين تُحكى القصة على ألسنتهم، لكنها تدفع بالقارئ للتعاسة القصوى».