إخراج زكاة الأنعام نقداً

03:32 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. عارف الشيخ

اختلف الفقهاء في مسألة دفع القيمة في الزكاة عموماً، فمنهم من منع إخراج القيمة مطلقاً، سواء في زكاة الفطر أو في زكاة المال، سواء كان المال نعما أو عروض تجارة أو زروعاً وثماراً أو غير ذلك، مما يتعين إخراج العين فيه.
وسبب الخلاف أن الفقهاء نظروا إلى الزكاة مرة بأنها عبادة، ومرة نظروا إليها بأنها حق مالي مفروض في أموال الأغنياء للفقراء، فالذين قالوا بأن الزكاة أمر تعبدي، استدلوا بمثل قوله تعالى: (وآتوا الزكاة) وهو قول ذكره القرآن الكريم مجملاً، ولما جاءت السنة تفصله، بينت المقادير المطلوبة في العينيات كالغنم مثلاً، حيث أن السنة قالت: «في كل أربعين شاة شاة»، وهذا مما يوحي بوجوب اتباع النص.
ويذكر عن ابن العربي المالكي في أحكام القرآن (القسم الثاني - ص945) بأن الحكمة في إخراج العين في العينيات - ليس المال فقط، بل قطع علاقة تعلق قلب المالك بذلك الجزء من المال، وفي هذا ابتلاء وامتحان، فمتى التزم بما طلب منه من غير تحايل، عرف بأنه متعلق بما عند الله أكثر.
ولو قيست الزكاة على الصلاة، لوجد أنه في الصلاة يشترط السجود على الجبهة والأنف، ولا يصح السجود على الذقن والخد مثلاً، لأن السجود على الجبهة فيه خضوع واستسلام لرب العالمين أكثر، ومثل هذا يقال في الزكاة أيضاً، لأن الذي يخرج الزكاة نقداً وقيمة، يجوز أن يقال عنه بأنه أخرج الزكاة، لكنه في الوقت نفسه تهرب من التقيد بالنص وخرج على معنى التعبد كما يقول بعض الفقهاء.
أما الذين قالوا بجواز العدول إلى إخراج القيمة، فحجتهم كما قلنا بأن الزكاة حق مالي للفقير، والله تعالى يقول: «خذ من أموالهم صدقة»، وورد أيضاً في «السنن الكبرى» للبيهقي (ج4 ص113) أن معاذا قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، والسبب أن أهل اليمن كانوا مشهورين بصناعة الثياب، فدفع الثياب أيسر عليهم، وفي المقابل كان أهل المدينة في حاجة إليها.
إذن فإن العلة تدور مع الحاجة، وقد أفتت بذلك لجنة الفتوى في قطاع الإفتاء والبحوث في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت، وقالت بجواز إخراج التجارة زكاة مالهم مواد عينية، مما يتجرون فيه على سبيل البدل عن النقود، وبخاصة، إذا كان هذا أنفع للفقراء والمساكين، ومتى جاز إخراج العين بذل النقود، جاز إخراج النقود بدل العين أيضاً، لأن المدار على نفع الفقراء والمحتاجين.
وبالرغم من أن بعضهم يرجح مذهب أبي حنيفة ومن وافقه في إخراج القيمة، إلا أنه يميل إلى ما ذهب إليه ابن تيمية في هذا الباب، ويعتبره وسطاً، وهو أن الأظهر عنده أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا لمصلحة راجحة ممنوع لأنه متى أجيز إخراج القيمة مطلقاً، فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة، ثم يخرج قيمتها نقداً بدلاً عن الزكاة العينية.
على كل حال فإن الأصل إخراج العين في العينيات كما ورد النص، فمن أجاز نقداً، أجازه في صور أو أجازه مع الكراهة، كما ورد عن بعض المالكية حيث قال الدردير في «الشرح الكبير» (ج1 ص502): إخراج العين عن الحرث أو الماشية يجزئ مع الكراهة.
أما الشافعية والحنابلة والظاهرية فلم يجيزوا مطلقاً، لا في زكاة الفطر ولا في غيرها، ولذلك فإن رأي ابن تيمية وسط في هذا الباب، فيمكن أن نجيز في بعض الأحايين حسب الحاجة والمصلحة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"