النسخ بين القرآن الكريم والسنة المشرفة

وما ينطق عن الهوى
03:31 صباحا
قراءة 4 دقائق

‮اتفق العلماء على الوجوه الثلاثة لمكانة السنة من القرآن الكريم،‮ ‬ومنزلتها منه،‮ ‬وهي‮ ‬وجوه بيان السنة للقرآن الكريم،‮ ‬بأنواعها الثلاثة،‮ ‬وما جاء في‮ ‬السنة مؤكداً لما في‮ ‬القرآن الكريم،‮ ‬وأنها تفرع على أصل في‮ ‬الكتاب المبين،‮ ‬وهذه محل إجماع منهم،‮ ‬وأما استقلالها بالتشريع وسن ما ليس فيه نص كتحريم أكل لحوم الحمر الأهلية،‮ ‬وعدم جواز الجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها في‮ ‬النكاح فقد أقره العلماء واختلفوا في‮ ‬توجيهه،‮ ‬وتخريجه وتعليله‮.‬
‬يقول الدكتور محمد عجاج الخطيب في‮ ‬كتابه‮ «‬السنة النبوية‮ (‬مكانتها‮ ‬حفظها وتدوينها،‮ ‬تفنيد بعض الشبهات حولها‮)»: «بين الحين والآخر تطل علينا قضية النسخ بين القرآن والسنة،‮ ‬فالقرآن مقدم على السنة من حيث الرتبة،‮ ‬فلا‮ ‬ينسخ القرآن بالسنة،‮ ‬وهذا‮ ‬يعني أن السنة لا‮ ‬يمكن أن تأتي‮ ‬بما‮ ‬يعارض القرآن الكريم على وجه لا‮ ‬يمكن الجمع بينهما‮. ‬ولو فرضنا جدلاً أنه روي شيء من ذلك،‮ ‬فتكون السنة منسوخة،‮ ‬أو‮ ‬يكون محل الاستدلال بها في‮ ‬غير موضعه،‮ ‬أو قد تكون الآية منسوخة بآية أخرى‮. ‬فإذا لم‮ ‬يكن شيء من هذا كله فلا تكون الرواية ثابتة‮. ‬وعلى الباحث أن‮ ‬يعود إلى علم مختلف الحديث ومشكله،‮ ‬أي‮ ‬علم تأويل الحديث»‮.‬


«لا وصية لوارث»


إن القرآن والسنة متساويان،‮ ‬وعند التعارض‮ ‬يقدم المتأخر منهما على الآخر،‮ ‬وإذا لم‮ ‬يعرف المتقدم من المتأخر‮ ‬يتوقف في‮ ‬المسألة،‮ ‬وأصحاب هذا القول‮ ‬يجيزون نسخ القرآن بالسنة‮، ويقول بعض المعاصرين‮ (‬الكتاب أحوج إلى السنة من حاجة السنة إليه‮) ‬ومثل هذه الأقوال تدخل لبساً‮ ‬في‮ ‬موضوع مكانة السنة من التشريع،‮ ‬ومكانتها من القرآن الكريم‮، ‬ ‬ولم‮ ‬يرد شيء من الأحاديث الصحيحة ناسخ لشيء من كتاب الله تعالى‮. ‬ونقل الإمام الغزالي‮ ‬عن بعضهم أن ذلك لم‮ ‬يقع أصلاً‮.‬
‮ ‬وكل ما نقل في‮ ‬نسخ الحديث للقرآن الكريم خمسة أحاديث،‮ ‬منها‮: ‬حديث‮ (‬لا وصية لوارث‮)‬،‮ ‬قيل‮: ‬إنه ناسخ لقوله تعالى‮: «‬إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين»،‮ (‬البقرة: ١٨٠)، ‬وخلاصة القول في‮ ‬هذا إن النسخ إنما هو بآيات المواريث،‮ ‬ولكن لما احتمل أن آية المواريث تضم للوالدين والأقربين حظاً‮ ‬آخر،‮ ‬أو تبدل حظاً‮ ‬من حظ،‮ ‬جاء الحديث مبيناً أن المراد الاحتمال الثاني،‮ ‬فلولا هذا الحديث لأمكن الجمع للوارث بين الميراث والوصية،‮ ‬فكان الحديث مبيناً لا ناسخاً‮.‬
‮ ‬وحديث عبادة بن الصامت رضي‮ ‬الله عنه‮: ‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‮: (‬خذوا عني‮ ‬قد جعل الله لهن سبيلا‮ً: ‬الثيب بالثيب جلد مئة والرجم،‮ ‬والبكر بالبكر جلد مئة ونفي‮ ‬سنة‮) ‬أنه ناسخ لآية إمساك الزواني‮ ‬في‮ ‬البيوت في‮ ‬قوله تعالى‮: ‬«واللاتي‮ ‬يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في‮ ‬البيوت حتى‮ ‬يتوفاهن الموت أو‮ ‬يجعل الله لهن سبيلاً‮» (‬النساء: ١٥).
‮ ‬ويذكر الإمام ابن حزم في‮ ‬كتاب‮ «‬الأحكام‮»‬،‮ ‬أن الحديث المذكور ليس ناسخاً‮ ‬للآية بل مبين للسبيل الذي‮ ‬ذكره الله تعالى فيها‮.‬


قتال الطائف


‮ ‬أما فيما‮ ‬يتعلق بحديث قتال الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الطائف في‮ ‬شهر ذي‮ ‬القعدة الحرام،‮ ‬قال بعض الفقهاء إن ذلك ناسخ لقوله تعالى‮: ‬«يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه‮، ‬قل قتال فيه كبير»‮ (‬البقرة‮: ٧١٢)، ‬ونحوها من الآيات الدالة على تحريم القتال في‮ ‬الأشهر الحرم‮. ‬والصواب أن تحريم القتال فيها‮ ‬غير منسوخ،‮ ‬وهو باق على وجه التأبيد،‮ ‬وقتال الرسول صلى الله عليه وسلم لثقيف في‮ ‬الشهر الحرام من باب رد العدوان المذكور في‮ ‬قوله تعالى‮: ‬«الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين»،‮ (‬البقرة‮: ٤٩١). ‮ ‬وذكر ابن السمعاني‮ ‬في‮ ‬كتاب‮ «‬أفعال الرسول ودلالتها على الأحكام‮»‬،‮ ‬أن آيات نسخت بأحاديث،‮ ‬والصحيح أن الأحاديث مخصصة وليست ناسخة،‮ وقالوا: إن الآية الكريمة: «‬قل لا أجد في‮ ‬ما أوحي‮ ‬إلي‮ ‬محرماً على طاعم‮ ‬يطعمه إلا أن‮ ‬يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر‮ ‬غير باغ‮ ‬ولا عاد فإن ربك‮ ‬غفور رحيم»‮ (‬الأنعام‮: ٥٤١). منسوخة بحديث‮ (‬النهي‮ ‬عن أكل كل ذي‮ ‬ناب من السبع وكل ذي‮ ‬مخلب من الطير‮).. ‬والصواب أن الحديث مخصص وليس ناسخاً،‮ ‬أو مما استقلت السنة بتحريمه.


الناسخ والمنسوخ


قال أحمد بن حنبل: (السنة تفسر القرآن،‮ ‬ولا‮ ‬ينسخ القرآن إلا القرآن‮)‬،‮ ‬ ‬وصرح ابن تيمية بأنه‮ ‬يذهب إلى امتناع نسخ القرآن بالسنة وأن ذلك مقتضى حرمة القرآن،‮ ‬وقال الشوكاني‮: ‬وبه جزم الصيرفي‮ ‬والخفاف،‮ ‬بل نقل بعضهم إجماع الشافعية‮.‬
‮ ‬وعن علي‮ ‬بن أبي‮ ‬طالب‮ «‬رضي‮ ‬الله عنه» ‬أنه مر على قاض‮ ‬يقضي،‮ ‬قال‮: ‬أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال‮: ‬لا،‮ ‬فقال علي‮: (‬هلكت وأهلكت‮)‬،‮ ‬وأخرج مثله عن ابن عباس‮. ‬قال البيهقي‮: ‬قال الشافعي‮: (‬ولا‮ ‬يستدل على الناسخ والمنسوخ في‮ ‬القرآن إلا بخبر عن رسول الله ‬صلى الله عليه وسلم،‮ ‬أو بوقت‮ ‬يدل على أن أحدهما بعد الآخر،‮ ‬فيعلم أن الآخر هو الناسخ،‮ ‬أو بقول من سمع الحديث أو الإجماع‮). ‬قال‮: ‬وأكثر الناسخ في‮ ‬كتاب الله إنما عرف بدلالة سنن رسول الله‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮.‬
‮ وعن إبراهيم التيمي‮ ‬قال‮: ‬أرسل عمر بن الخطاب إلى ابن عباس فقال‮: ‬كيف تختلف هذه الأمة وكتابها واحد ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عباس‮: (‬يا أمير المؤمنين،‮ ‬إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه،‮ ‬وعلمنا فيما نزل،‮ ‬وإنه سيكون بعدنا أقوام‮ ‬يقرؤون القرآن ولا‮ ‬يعرفون فيما نزل،‮ ‬فيكون لكل قوم فيه رأي‮. ‬فإذا كان لكل قوم فيه رأي‮ ‬اختلفوا،‮ ‬فإذا اختلفوا اقتتلوا‮) ‬قلت‮: ‬فعرف من هذا وجوب احتياج الناظر في‮ ‬القرآن إلى معرفة أسباب نزوله‮. ‬وأسباب النزول إنما تؤخذ من الأحاديث‮.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"