أنهكتنا مقارعة المستحيلات

03:41 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. نسيم الخوري

هل يصدّق ابن خلدون لو فتح مقدّمته الرائعة، أو أوزوالد شبنجلر الذي كتب في «سقوط الغرب»، أو أرنولد توينبي في دزينة مؤلّفاته التي استهلكت عمره في «دراسة للتاريخ» أو حتّى أيّ مفكّر عربي قديم أو معاصر، أنّ الصراعات التاريخيّة والفرق الكثيرة والأفكار والمشاعر المقيمة في جروح المسلمين أو عقولهم، ما زالت دماؤها طريّة لم تعرف اليباس وقد مرّت عليها شموس ساطعة وحروب وخسائر لا تحصى منذ 1388 انطوت على حروب الردّة.

يبدو التغيير أحد أضخم المقولات التي لم تخلّص التاريخ المتحرّك حتّى اليوم،من الزلازل الاجتماعية والمذابح الكبرى المتجدّدة بين الشرق والغرب أو في كليهما وبين معتنقي الديانات التوحيدية وخصوصاً المسلمين الذين ينقسمون في عقل العالم إلى الإسلاميين المتعصّبين، مقابل المعتدلين، بينما يطلق عليهم معاً في دوائر دول العالم اسم «إسلامستان»، وفقاً لأستاذنا في الكوليج دو فرانس المستشرق جاك بيرك. فعلاً لماذا لا تنتهي الصراعات بين الأقليات والمسلمين وأيضاً بين المسلمين أنفسهم؟

كانت الأزمنة المرّة تفرض علينا جميعاً العودة إلى قراءات متجدّدة تجهد لردم تلال الفروقات الفكرية الجوهرية نهائياً بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب. الجديد أنّ يقظة معظم الشعوب ولو الثقيلة، في القارّات الخمس التي تلقّحت بالعولمة، ساهمت وتساهم بقوّة في رسم صورٍ جديدة قد تخلع ملامح العظمة الدولية التقليديّة وحدودها إلى درجة متقدّمة، لكنّ ما يحصل في دنيا العرب والإسلام يبدو متثاقلاً متكرّراً.

أين هم أهل هذه الدنيا؟ يتوزّعون، أفقياً، في بقعٍ مذهبية وديمغرافية متحرّكة فوق خريطةٍ من الدول والأنظمة التي داهمتها إستراتيجيات التفكيك الطويلة حيث كبت لأزمنة طويلة المجموعات والعقولٍ القيادية والأحزاب المحليّة والمستوردة. كانت تستيقظ لأحيان في مسار الحضارة، وكانت تشحن تنافرها وانقساماتها وتشظيّاتها وحروبها الكثيرة وارتمائها في أحضان الغرب والشرق، أعني في أحضان الغير، بحثاً عن أمجاد السلطات القديمة اللامتناهية الآفاق. بالمقابل، كانت الشعوب تغرق أكثر فأكثر في السجون والمنافي والفقر والدماء إلى درجةٍ بقيت فيها كلّ مجموعة تشبه في طرائق تفكيرها ومعالجاتها للأمراض السياسيّة والاجتماعية تلك الأقلّيات التقليدية التي تيبّس عندها التاريخ بما تركه لها تاريخ الأجداد، وهي تشبه في سلوكها الديني والمذهبيّ المعاصر تلك الجماعات القبليّة الحالمة تاريخياً بالاستقلال الذاتي والحريّة المستحيلة. كانت السياسات الداخليّة في هذه البقعة الغنيّة بأديانها التوحيدية الثلاثة، كما بكنوزها الأرضية مرهونةً لا بل محكومةً بالغير أي بكلّ قوّة خارجيّة في الأرض، وقد اكتشفنا جميعاً، ونكتشف مجدّداً نسبيّاً وعلى غفلة لا يمكن تبريرها، أنّنا ما زلنا محكومين جميعاً بالحكمة الإغريقية البليغة القائلة:«لا تعاقب الآلهة البشر إذ تغضب عليهم، وإنّما تسلّط عليهم أنفسهم بما يكفي لتحديد مستقبلهم».

هكذا يفترض وبشجاعة طرح السؤال: أين يقع الفكر العربي المعاصر اليوم؟

يقع في قرونٍ من العزلة والإهمال والانشقاق والضعف في ميادين التغيير إلى درجة التيه فوق دروب السلطات الكثيرة الوعرة ومتفرّعاتها الحافلة بالمطبّات المستوردة. تبرز ملامح الفشل الأولى باجترار فئة مفكّرين النظريات والأفكار والإيديولوجيات والأسئلة المتجدّدة/المتجمّدة الخجولة المدفوعة الأثمان وقد تخمّرت في جغرافيات شاسعة غنيّة بأرضها ويباسها، يقابلها فئات سلكت الممرّات الضيّقة من العراق إلى لبنان فتونس لاجتيازه شرقاً نحو ليبيا ومصر بحثاً عن معاينة ركام الفكر القومي أوالعلماني الضائع واستحالات تجديده من تحت ركام «الربيع العربي وثوراته». تبرز الصدمة الكبرى العامّة في التقاطاتهم للهوية المتفتّتة التي لم تكن سوى العودة للارتماء في الاحتماء بالمذاهب لا بالأديان، الذي يفرز نكوصاً نحو يقظة الأقليّات ومشاريع بعثرتهم وإمكانيات اقتلاعهم من معظم الإقليم.

تصوّروا أنّ كلمة السرّ الرائجة اليوم بين المسيحيين في لبنان هي الاقتلاع! هل يمكن لمن يسلك هذه الدروب مثلي طرداً أو عكساً ألاّ يركّز حبره على تركيا «دولة الارتداد» تعود إلى إسلامها من جديد نسخةً قد يقبلها العالم بعدما بعث في طموحها التاريخ الإمبراطوري العثماني أو على «الثورة الإسلامية» الإيرانية وفي خلدها أيضاً وهج التاريخ الإمبراطوري المقيم والمنبعث في الأذهان أيضاً؟

ستتقاطع الدروب الدوليّة المتشعّبة أبداً في تحوّلات التغيير المشروعة التي يفترض أن تليّن الرؤوس اليابسة وإلاّ فالدماء والخرائب والجمود والإيديولوجيات الشائكة.

ولنصرخ معاً: لقد أنهكتنا مقارعة المستحيلات.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"