عن العدل والمحكمة العليا الأمريكية

03:42 صباحا
قراءة 4 دقائق
محمد خليفة

قيل «العدل هو أساس الملك»، وعندما تسود العدالة في مجتمع فإنها تحصنه من المهالك، وتغرس فيه بذور الرفاهية والازدهار. ويتحقق التوازن الكامل بين جميع الأهداف في النظام العام الذي يحكم الحياة.

والعدل بطبيعته يضمن للجميع المساواة المطلقة بالتكافل التام، ويرمي إلى تحقيق الوحدة الإنسانية في دائرة التصور ودائرة النظام. فالعدل المطلق الذي لا يشوب ميزانه الحب والبغض، ولا تغير قواعده المودة والشنآن، العدل لا يتأثر بالقرابة بين الأفراد ولا بالتباغض بين الأقوام، العدل يكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم قاعدة ثابتة للتعامل. وقد تطور شكل القضاء وصوره عبر العصور، حتى اتخذ الشكل الذي هو عليه في غالبية دول العالم.

لكن في بعض الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة فإن للعدالة أركاناً لا يجوز المساس بها أو تجاوزها لا من الرئيس أو من غيره، ومن هذه الأركان؛ المحكمة العليا الاتحادية التي هي أهم جهاز قضائي في الولايات المتحدة، حيث تأتي في قمة الهرم القضائي الفيدرالي، ويرجع ذلك إلى مركزها الدستوري والقانوني، إذ تعد المحكمة الوحيدة المكرسة دستورياً بخلاف بقية الجهات القضائية الأخرى التي عُهِدَ للكونجرس مهمة إنشائها حسب الظروف، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك، كما يتم تعيين قضاتها مدى الحياة من طرف رئيس الجمهورية بعد مصادقة مجلس الشيوخ؛ ما زاد من قيمة هذه المحكمة وعلو شأنها. وقد أنيطت بالمحكمة العليا عدة صلاحيات فيما يخص الرقابة الدستورية.

وكانت الانطلاقة الحقيقية لها بداية من سنة 1800 في قضية القاضي ماربوري ضد وزير العدل ماديسون، والتي أصبحت المرجع لممارسة الرقابة القضائية في الولايات المتحدة تحت المادة الثالثة من الدستور الأمريكي. والحكم الشهير الذي أصدره رئيس المحكمة العليا جون مارشال بشأنها في عام 1803، ما جعل طبيعة عملها يتمحور بين حماية مبدأ سمو الدستور من جهة، وصون الحقوق والحريات من جهة أخرى، كما أن أحكامها لها دور حاسم في العديد من القضايا الشائكة، مما جعلها تحتل مكانة مرموقة وسط الشعب الأمريكي.

وتتكون المحكمة الاتحادية العليا من رئيس وثمانية قضاة معاونين، يعيّنهم رئيس الجمهورية، بعد أخذ موافقة الأغلبية بمجلس الشيوخ. وبعد تعيينهم يتولى القضاة مناصبهم لمدى الحياة، بخدمة السلوك الحسن، التي لا تنتهي إلا عند الوفاة أو الاستقالة أو التقاعد أو الإدانة، ومقر هذه المحكمة هو العاصمة واشنطن، وهذه المحكمة هي في المقام الأول محكمة استئناف إداري، أي لا يجوز التقدم إليها بدعاوى في خصومة بين الأشخاص الطبيعيين، بل تحال إليها الدعاوى المفصولة في محاكم الاستئناف الإداري. حيث يتألف اختصاص الاستئناف للمحكمة من دعاوى الاستئناف الواردة من محاكم الاستئناف الفيدرالية، ومحاكم الاستئناف للقوات المسلحة، والمحكمة العليا لبورتوريكو، والمحكمة العليا للجزر العذراء، ومحكمة استئناف مقاطعة كولومبيا، والأحكام والمراسيم الصادرة عن أعلى محكمة في إحدى الولايات عن طريق الأمر القضائي. وتتمتع المحكمة باختصاص أصيل في النظر بالدعاوى المقامة من ولاية أمريكية على ولاية أمريكية أخرى، كما تنظر في الدعاوى التي تتقدم بها إحدى الولايات ضد مواطني ولاية أخرى أو ضد الأجانب، كما تنظر في الخلافات بين الدولة الأمريكية الاتحادية ككيان مستقل وبين ولاية أو أكثر من ولاياتها، ولدى المحكمة اختصاص أصيل وليس حصرياً للنظر في جميع الدعاوى المتعلقة بالسفراء أو القناصل أو نائبي القنصليات للدول الأجنبية.

ومن خلال ما تقدم نلحظ أن للمحكمة الاتحادية العليا دوراً كبيراً في الفصل في قضايا كبيرة داخل الولايات المتحدة، ومن هنا كانت هناك أهمية كبيرة لرئيس هذه المحكمة الذي يتمتع بسلطة كبيرة في الفصل في القضايا التي تعرض أمامه وأمام محكمته. وفي 18 سبتمبر 2020 توفيت جوان روث بادر جينسبورج رئيسة هذه المحكمة. وأعلن الرئيس دونالد ترامب، مباشرة، أنه سيختار على وجه السرعة خلفاً لها، وكتب ترامب في تغريدة على«تويتر»: «لقد وضعنا الناخبون في موقع السلطة من أجل اتخاذ قرارات تخص أولئك الذين انتخبونا بكل فخر. كان من بين أهم تلك القرارات منذ فترة طويلة اختيار قضاة المحكمة العليا في الولايات المتحدة هذا الالتزام يقع على عاتقنا من دون إبطاء. ولم يتأخر ترامب، فقد أعلن في 26 سبتمبر عن ترشيح القاضية المحافظة إيمي باريت لرئاسة المحكمة العليا خلفاً للقاضية روث بادر جيتسبورج. وكان، في فترات سابقة، قد عين اثنين من القضاة المحافظين في هذه المحكمة.

وقد عبّر المرشح الديمقراطي لمنصب الرئاسة، جو بايدن، عن معارضته لطرح ترامب أي مرشح على مجلس الشيوخ قبل الانتخابات، قائلاً إن الفائز في الانتخابات هو من يتعين عليه اختيار من سيخلفها. ورغم هذه المعارضة الديمقراطية الواضحة إلا أن فرص الديمقراطيين ضئيلة لمنع اختيار من يرشحه ترامب، إذ يسيطر الجمهوريون على 53 مقعداً من مقاعد مجلس الشيوخ البالغ عددها 100. ولا شك أن المحكمة العليا تبقى معياراً لنزاهة واستقلال القضاء في الولايات المتحدة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"