عادي
نبض المواقع

«أدب رخيص».. الوحش يسكن أعماق الإنسان

04:15 صباحا
قراءة 3 دقائق

الشارقة: علاء الدين محمود

تكمن القيمة الفنية في رواية «أدب رخيص»، للكاتب الأمريكي تشارلز بوكوفسكي، التي صدرت عربياً من منشورات دار الجمل، 2016، في كونها اتبعت منهجاً تحليلياً ومتقصياً، يطل على الحياة والواقع الاجتماعي في تعقيداته واشتباكاته المتعددة، وفي عزلة الإنسان ووحدته في ظل عالم شديد التشظي، الأمر الذي يسرب إلى القارئ عبثية الحياة، فأبطال القصة هم أشخاص يخوضون تجارب حياتية مختلفة في ظل الألم والبؤس والخوف من الموت المحدق، حيث إن الكاتب يقدم لنا جانباً من محاولات استكشاف الحياة من خلال فانتازيا وحشد من العجائبيات التي يحاول عبرها الكاتب أن يحلل طبيعة الأشياء والوقائع اليومية، خاصة أن المؤلف يحاول أن يعالج من خلال العمل مسألة التأزم والتصدع لدى الأفراد في حياة الوحدة.

تتحدث الرواية عن «نيكي بيلان»، المحقق الخاص الذي يخوض غمار البحث عن «سيلين»، وهو كاتب فرنسي يعيش في عالم من الأوهام حول نفسه، وتتملكه حيرة شديدة حول حقيقة وجوده: هل هو ميت، أم مازال على قيد الحياة؟، وخلال تداعي السرد، تبرز أحداث غرائبية وكائنات متوهمة، هي غير موجودة إلا في مخيلة أبطال القصة، ف«سيلين»، يعتقد أن هناك من يطارده، ومؤامرة تستهدف القبض عليه وتهدد وجوده، فهو يتخيل أن هناك كائناً يتقصى أثره، ضمن قوات احتلال فضائية، ولا يخلو العمل من شحنة فلسفية، لكن المؤلف يمررها عبر سرد يستدعي غير المألوف، لينسج تفاصيل قصة شائقة.

العمل وجد صدىً كبيراً عند القراء، الذين أجمعوا على اختلافه على مستويي الفكرة والأسلوب السردي.

وبصورة مباشرة، يتناول أحد القراء العتبة النصية الأولى والمتمثلة في العنوان ومدلولاته، فيقول: «جاء العنوان في غاية الذكاء، فالقارئ لا يستطيع تجاوزه دون أن يتأمله، فالكاتب حشد كل فكرة الرواية فيه، وأراد له أن يكون منتمياً لسرد يتناول زيف الواقع وتشظيه»، وتتوقف قارئة عند الأسلوبية الرشيقة التي أنتجت سرداً جذاباً ومثيراً، وتقول: «جاء العمل خفيفاً وسريعاً في إيقاعه، ويعتمد على السخرية في الوصف وتناول الوقائع، فقد أراد أن يمرر عبر هذه السخرية،تلك الشحنة الفلسفية التي تتخلل السرد من خلال الأسئلة الكثيرة، والمواقف التأملية».

«سرد معدٍ»، هكذا يصف أحد القراء العمل، وقول: «السرد العفوي وقوة الوصف، تجعل كل الأحاسيس والمشاعر المتباينة تتسلل إليك»، في ما يشير قارئ آخر إلى العجائب في القصة، ويقول: «لقد صنع الكاتب شخصيات العمل وأبطاله، بحيث يرسخون في ذهن القارئ، الذي سيجد نفسه متورطاً في علاقة مع هؤلاء الأشخاص فلا يبارحون مخيلته».

«غموض»، هكذا وجد أحد القراء أن الرواية تميل في كثير من جوانبها إلى ما يشبه الألغاز، ويقول: «جاء العمل مظلماً في بعض جوانبه، وسكت السرد عن بعض الأشياء، ما خلق بعض الفراغات، ليتم تأويله بواسطة القارئ، لكن الكاتب لا يترك المتلقي في حيرة من أمره، بل يلقي له بالكثير من الدلالات التي تشكل أدوات لسبر أغوار خفايا القصة».

ويشير آخر إلى الكائنات الغريبة في القصة ويقول: «القصة تجعلك تستعيد عوالم كافكا، وأدب وليم شكسبير، خاصة في توظيفه للجنيات والكائنات العجيبة، هذا عينه ما فعله تشارلز بوكوفسكي، غير أن عبقرية بوكوفسكي تتجلى في توظيفه للكائنات الغريبة في قصة تنتمي للواقع المعاصر، وكأنه أراد أن يقول أن البشر أنفسهم يتحولون بفعل وطأة العصر إلى وحوش».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"