يحلو للبعض تعريف «القصة الومضة» بأنها فن الاقتصاد في اللغة من خلال التكثيف الشديد، وكذلك الإيحاء عالي الدلالة بعيداً عن الحشو والإطناب، ولكن نقاد الأدب لم يحددوا ملامح وخصائص القصة الومضة بشكل مفصل وواضح حتى الآن، وهو ما يطرح تساؤلاً حول العوامل أو العناصر التي يمكن من خلالها تمييز هذا الجنس الأدبي عن الخاطرة مثلاً، أو عن القصة القصيرة جداً المتعارف عليها، لا سيما في ظل وجود نوع من التماهي والتداخل بين بعض النصوص الإبداعية.
تتباين آراء عدد من المثقفين في هذا الاستطلاع حول هوية القصة الومضة بين من يجدها «ابنة القصة القصيرة جداً»، وتشترك معها في السمات والعناصر والملامح، ولا تختلف عنها إلا في الحجم، وبين من يذهب إلى أن كل جنس أدبي يحتفظ بملامحه وقيمته الإبداعية، وأن القصة الومضة مكتملة في بنيتها وموضوعها وكثافتها اللغوية والمعنوية، وتختلف عن سواها في خطابها الفني وآليات الاشتغال على النص.
يقول الكاتب والقاص حارب الظاهري، إن النقاد أطلقوا على القصة القصيرة جداً مسمى «الومضة» مؤخراً، وبالفعل لم يُحدد لها أي جنس أدبي قائم بذاته، وهي مشتقة أساساً من القصة، سواء كانت طويلة أو قصيرة أو قصيرة جداً، والمهم أن تكون القصة «الومضة» ذات ملامح قصصية حديثة يستطيع معها القارئ تحديد ملامح التشويق فيها، كما تبدو القصة في أسلوبها وطرحها، ولكن القصة الومضة ليست فن الاقتصاد في اللغة، كما يذهب إليه بعض النقاد والمهتمين بالأجناس الأدبية المختلفة، وبالذات القصة؛ إذ إنها حالة إبداعية مختزلة للنص القصصي مهما بدت ملامحها، لذلك سادت خلال فترة من الفترات. وبعد أن بدأت حالات التجريب في الأدب عامة، والقصة على وجه الخصوص، عمل النقاد على طرح مسميات حديثة تتماهى مع الحراك الأدبي.
ليس هناك حشو في القصة القصيرة المبتكرة، وإذا بدا عليها ذلك فإنها ستخرج من ملامح القصة المتعارف عليها، وفي الوقت ذاته، هناك توازن دائم ما بين الطرح القصصي من جهة، وقيمة الكتابة الإبداعية من جهة أخرى، فلا يمكن أن تتجاوز الكتابة الفكرة أصلاً، أو العوامل الفنية للقصة.
وبالعودة إلى تداخل النصوص القصصية ما بين قصيرة وقصيرة جداً، وما بين الخاطرة التي هي جنس مختلف عن القصة، ذو فضاء متسع، فإن ما يمكن قوله هو إن هناك تداخلاً وتماهياً بين النصوص الإبداعية، ولكن كل جنس أدبي يحتفظ بملامحه وقيمته الإبداعية، كما أن هناك اللغة الشعرية مثلاً، والتي تنسج حولها عناصر من الأجناس الأدبية، وهنا اللغة تستوعب كل الحالات الإبداعية.
بارقة معمقة
يشير الناقد الأدبي د. هيثم الخواجة إلى أن القصة تنقسم إلى أربعة أقسام، وهي «الرواية، والقصة الطويلة، والقصة القصيرة والقصة القصيرة جداً»، وهذه الأخيرة تحديداً تعني الاقتصاد والاختصار والتكثيف، وهي في موضوعها تشكل بارقة معمقة أو لمحة مؤثرة أو زاوية من زوايا النفس الإنسانية، والمهم أن يكون مؤلفها قادراً على أن يومض في نهاية القصة إيماضاً قوياً مؤثراً يُبهر الأعين ويحرك النبض. وهنا تجدر الإشارة إلى أن القصة القصيرة جداً خرجت عن البناء الفني للقصة القصيرة، واقتربت من العناصر الفنية على استحياء عبر الاختزال والانزياح والتكثيف، والجرأة والمجاز. وعلى الرغم من أن كثيرين فشلوا في إبداع قصة قصيرة جداً مقنعة ومبتكرة، فإن البعض نجح وأبدع وأقنع، وأثّر أيضاً. وبناء على ذلك يمكن القول إن القصة القصيرة جداً غدت فناً راسخاً ورافداً إبداعياً مهماً في أدبنا العربي، وقد أوردتُ هذه المقدمة لكي أشير إلى أن القصة «الومضة» لا يمكن أن تكون مختلفة عن القصة القصيرة جداً إلا من حيث الحجم فقط، طالما أن السمات واحدة، أو على الأقل مشتركة. فمن المعروف أن قصة الومضة (الهايكو) هي مصطلح معتمد في التجربة الشعرية، والقصة الومضة لا تختلف كثيراً عن القصة القصيرة جداً، باعتبارها تعتمد الاقتصاد والتكثيف والدلالة والإيحاء والتركيز بعيداً عن الحشو. وإذا كانت القصة الومضة تخطو خطواتها الأولى، فإن صداها لم يجد البريق الذي وجدته القصة القصيرة جداً، وهنا سؤال أجده ملحاً، وهو: هل عدد الأسطر يدفعنا إلى تسمية جنس أدبي جديد لا يختلف في شكله ومضمونه وشروطه عن جنس أدبي آخر معروف ومعتمد؛ لكونه وجد مكانته اللائقة بين الأجناس الأدبية الأخرى؟.
هناك من يقول إن القصة الومضة هي أصغر جنس أدبي، وهناك من يسميها «القصة الميكرو» أو «القصة الفلاش»، ولكن في المجمل اعتقد أن الزمن كفيل بأن يحسم الأمر. سيظل الفارق صغيراً بين القصة الومضة والقصة القصيرة جداً، حتى إن البعض يقول إن الأولى هي ابنة الأخيرة، نظراً لقلة عدد سطورها التي لا تتجاوز الثلاثة، ويمكن أن تكون أقل من ذلك.
أما فيما يتعلق بالخاطرة، فهي جنس أدبي خاص ومتميز لا علاقة له بالقصة الومضة؛ لكونه يحتاج إلى عاطفة جياشة ومناقشة فكرة ما بأسلوب أدبي دافئ، وبطول لا يقل عن عشرة أسطر على وجه التقريب لا الجزم.
كثافة الفكرة
وترى الناقدة الأدبية د. بهيجة إدلبي أن الكتابة كفعل إنساني وجودي، تخضع لتحولات العالم من حولها، فلكل عصر أساليبه في الكتابة ووسائل تعبيره المختلفة التي تستجيب لتحولاته ومعطياته ورؤاه، ولعل القصة الومضة بتقنياتها وآلياتها وتشكيلها أكثر استجابة لعصرها العابر للنوعية، والعابر للأزمنة والأمكنة. وبهذا المعنى يمكن الحديث عن القصة الومضة التي أثارت ولا تزال تثير جدلاً نقدياً كبيراً، فحين نستقرئ هذا النص الومضة الذي يشبه في تكوينه وتشكيله ما يسمى أيضاً بقصيدة الومضة، فإننا نجد أنه ينحاز إلى ضيق العبارة واتساع المعنى، فكما أن الومضة الشعرية اختبار للتجريب الشعري بكل طاقاته، فإن القصة الومضة اختبار للتجريب السردي. فالقصة الومضة كثافة في الفكرة والأسلوب واللغة، وقادرة على البقاء والتمدد، كما أنها نزقة في كل عناصرها، ولا تحتمل الإسهاب، ولعلها أكثر عمقاً في جدلها مقارنة بالسرديات الأخرى. فعلى الرغم من كثافتها، فإنها تبني التوتر وتطلقه بمساحة ضيقة، ولعلها توازي بالجهد والتفكير والوقت ما تحتمله القصة الطويلة أو الرواية في بعض الأحيان؛ ذلك أنها تعتمد على التركيب لكونها أشبه بعلاقة الواحد بالواحد (الفكرة)، وليس علاقة الواحد بالمتعدد كالرواية مثلاً.
ومن هنا، فإن القصة الومضة تتوفر فيها كافة عناصر القص من دون اللجوء إلى التفاصيل، مكتملة في بنيتها وموضوعها، وبكثافتها اللغوية والمعنوية، وتختلف عن الخاطرة بخطابها الفني وآليات الاشتغال على النص، كما تختلف عن القصة القصيرة جداً على الرغم من العوامل المشتركة بينهما، لكنها كومضة سردية أكثر اشتغالاً على الدهشة، وأكثر تضييقاً لمساحة التوتر، بحيث تفاجئ المتلقي وتُربك توقعاته، وتفسح له مساحة أوسع في التأويل والتحليل والبحث عن تلك الظلال الخفية التي يُضمرها النص.