د. محمد عمران تريم
نحتفل بإكبار واعتزاز باليوبيل الذهبي لجريدة الخليج «الإماراتية»، التي تأسست في العام 1970 كأول جريدة إماراتية، بمبادرة من الشقيقين المرحومين تريم وعبدالله عمران تريم ونخبة متميزة من زملائهما وكوكبة خيّرة من المؤمنين بمشروعهما.
وترافق تأسيس جريدة الخليج مع تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر/كانون الأول العام 1971 بقيادة مؤسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، وذلك بعد إعلان بريطانيا عن نيتها الانسحاب من الخليج بحلول ديسمبر/كانون الأول 1970، وهكذا تنادت الإرادات الخيّرة للاتحاد في دولة ضمت الإمارات الآتية: أبوظبي، دبي، الشارقة، عجمان، رأس الخيمة، الفجيرة، أم القيوين، ومضت بطريق تأسيس الدولة في موعد حددته وفقاً لنظام دستوري اتحادي (فيدرالي)، بما يتناسب مع العلاقات الأخوية بين مواطني الإمارات المذكورة، والذي عبّر عن تفاعل شعبي من المواطنين الذين انضووا تحت لواء الدولة الجديدة، مكونين شعباً متحداً ومتفاهماً في إطار الحقوق والواجبات.
وقد ساهمت الجريدة منذ أعدادها الأولى بعد تأسيس دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر في دعم مشروع الدولة الجديدة وقيادتها الحكيمة، داعمة خطواتها العملية الطموحة لبناء عصري حضاري متقدم يستطيع أبناؤه المباهاة به، مثلما أصبح منارة للعرب والمسلمين، بل صرحاً عالمياً يضم نحو 200 قومية وجنسية ولغة تتعايش في إطاره تحت حكم دولة القانون.
وامتازت رسالة «الخليج» بالمهنية والشفافية والحرص على الكلمة الحرّة والمسؤولة في آن، فضلاً عن الأخلاق الصحفية واحترام عقل القارئ، لاسيّما دعوتها للحوار والتسامح والسلام المجتمعي وتعزيز الجوامع المشتركة مع الأشقاء العرب وتقليص الفوارق والاختلافات بينهم، مثلما كانت «الخليج» صوتاً عربياً بامتياز، لاسيّما تبنيها الدعوة إلى التقارب العربي وحل الخلافات بالحكمة والأخوة والمصالح المشتركة، مثلما دعمت بأقصى ما تستطيع قضية فلسطين باعتبارها قضية العرب المركزية، مؤكدة دعم دولة الإمارات العربية المتحدة اللامحدود لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وفي المقدمة منها حقه في تقرير المصير، وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، ووقفت ضد الأطماع الإقليمية، ولاسيّما من جانب إيران التي لاتزال تحتل الجزر العربية الثلاث أبوموسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى.
ولم تدّخر «الجريدة» وسعاً باستقطاب طاقات عربية وكفاءات خليجية وتنمية إبداعات إماراتية من الرجال والنساء ولاسيّما الشباب، وذلك في إطار بوتقة وضعت التميّز والإبداع وخدمة الحقيقة والدفاع عن القيم الإنسانية العادلة في صلب مهماتها، وتلك كانت أهداف قيادة الإمارات الرشيدة منذ تأسيسها إلى اليوم.
ولهذا ليس عبثاً أن تُبرز «الخليج» الدعوة إلى الاستفادة من منجزات الثورة العلمية التقنية التي وصلت إليها الإمارات، وكان آخر إنجازاتها تسيير مسبار الأمل إلى المريخ في 20 يوليو من هذا العام، ولم يكن ذلك ممكناً لولا احترام المواطنة السليمة والحيوية القائمة على التفاهم والمصالحة والشراكة بين المواطن والدولة في علاقة تكاملية وتواصلية لا غنى عنها لدعم عملية التنمية، كما مثلت جوهر الاعتدال الإماراتي الذي حاولت الجريدة أن تعكسه في مجمل توجهاتها خلال الخمسين عاماً الذهبية من عمرها المديد.
لقد ارتقت الجريدة بمهمة الصحافة والصحفي بإعلاء شأنهما من خلال الخبر والصورة وكل ما تنشره من مقالات رأي ودراسات وريبورتاجات وتقارير ومنوعات وتعليقات وثقافة وأدب وفنون، بحيث أصبحت مرجعاً لا غنى عنها للدارس في شؤون دول الخليج عموماً والإمارات خصوصاً، ولم تخش قول الحقيقة، ولكن على نحو بناء وبما يخدم وحدة الدولة والعلاقة السليمة بين الحكومة والمجتمع، مثلما يعزز التعاون العربي والعمل المشترك بين الأشقاء العرب.
لقد ظلّت الخليج منبراً مفتوحاً للاعتدال والوسطية ومدافعاً أميناً عن الحقوق رافعاً راية حكم القانون لتحقيق العدالة من دون تفريط أو إفراط، وتلك إحدى رسائلها المهمة، إضافة إلى إيمانها بالحوار واحترام الرأي الآخر والإقرار بالتنوّع والتعددية في إطار الوحدة، على أن ينصهر الجميع في بوتقة الدولة لتحقيق التقدم المنشود على جميع الصُعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتكنولوجية، مواكبة بذلك دخول العالم طوراً جديداً من أطوار الثورة الصناعية وهو الذي يركز على اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي، تلك الأمنيات والآمال التي حملها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» ووضع أسس نهضة دولة الإمارات، وها هي الدولة اليوم ترعاها بعناية قيادتها الحكيمة لتؤتي ثمارها طازجة وشهية.
ألف تحية ل«الخليج» في عيدها الذهبي الخمسين.. وإلى المزيد من التميّز والإبداع.
وألف تحية لقيادتنا الرشيدة حاملة لواء التقدم وراعية المواطنة والسعادة والرفاه.