أشاد سياسيون وأدباء وصحفيون عرب بالدور الكبير الذي لعبته صحيفة «الخليج» في متابعة القضايا الخليجية والعربية والدولية، مؤكدين أنها تمثل مدرسة صحفية عربية متميزة جداً استطاعت الصمود أمام المتغيرات الكثيرة التي تعرضت لها الصحافة الورقية.
وتذكر بعضهم المواقف المهمة التي قامت بها «الخليج» تجاه القضية العراقية.
عقيل مهدي: تقدم ملفات مهمة ونوعية
يرى الدكتور عقيل مهدي، عميد كلية الفنون الجميلة في بغداد الأسبق، والناقد الأدبي المعروف والمخرج المسرحي والممثل التلفزيوني أن «دولة الإمارات العربية المتحدة سبَّاقة في تصدر المشهد الثقافي العربي، وقال: أنا أيضاً تحدثت في مؤتمر من مؤتمرات الهيئة العربية للمسرح بأن الرعاية الكريمة التي تبذلها دولة الإمارات غيرت من مفهوم السلطة والثقافة باعتبار أنها باتت تنشئ مرتكزات حقيقية للثقافة العربية بشكلها العام، ولأني مختص بقضية المسرح بشكل أساسي وأيضاً بالأدب والمناهج الدراسية في علم الجمال والثقافة وغيرها؛ فإني وجدت أن صحيفة «الخليج» كانت وما تزال تقدم ملفات مهمة جداً ونوعية وفيها الكثير من العقول الأكاديمية المدربة والعقول الإعلامية والإبداعية، فعندما تجتمع هذه الكفاءات الكبيرة فبكل تأكيد ستنقلهم من حال إلى حال؛ لأنها بعيدة عن جانب النفع السطحي وتضرب في عمق بالوعي الخاص في التلقي عند القارئ وعند المسرحي وعند الروائي، وبالتأكيد نحن نبارك للقائمين على صحيفة «الخليج» على هذه المسيرة والسلسلة المتطورة التي لم تحدث بها انقطاعات أو انحرافات، إنما استمرت بالنمو والتكامل وبالصعود إلى أعلى الآفاق التي تمس تحولات مجتمعاتنا العربية وطموحها في التمدن والحضارة، وسباقها مع الدول الراقية حتى يكون لدينا منصة تحت أشعة الشمس في العالم».
ولفت مهدي إلى، أن «استمرار صحيفة «الخليج» بالصدور على مدار خمسين عاماً، على الرغم من التوقف في سنواتها العشر الأولى يدل على أنها أعرق حتى من جامعات معينة، وهذا يدل فعلاً على أن هناك تخطيطاً استراتيجياً وتكتيكاً راقياً ثقافياً وطموحاً خلاقاً في تجديد هذا الخطاب الفني وما أحوجنا إليه؛ لأننا إلى الأسف لم ننظر إلى الثقافة بالمنظار الحقيقي المطلوب، بينما صحيفة «الخليج» وجهت الانتباه إلى قضية جوهرية وحيوية تعيد الإنسان العربي إلى صورته الحضارية بمستقبل آمن وبحضارة جديدة وبمجتمعات متحولة، كما أن صحيفة «الخليج» ترفض الاتكاء على جانب دون آخر، أو الذهاب إلى الماضي من غير وجهات نظر محدثة؛ حيث تجري بها نوعاً من الاكتشاف والإضافة».
وأضاف: إن «صحيفة «الخليج» تابعت بشكل دقيق جداً الأحداث العراقية سواءً في زمن الحصار الاقتصادي الجائر الذي فرض على العراق في تسعينات القرن الماضي والذي آذى الشعب العراقي برمته، وكذلك المرحلة القاسية والظالمة التي تلت الحصار والتي تمثلت بتعرض العراق إلى الاحتلال الخارجي؛ حيث كانت الصحيفة تضع المتلقي العربي بقلب الحدث، مما جعلها تعد مصدراً مهماً للباحثين وكذلك إلى طلبة الدراسات العليا؛ إذ توجد أكثر من أطروحة في الجامعات العراقية والعربية حول دور أو أسلوب صحيفة «الخليج» في التعامل مع القضية العراقية».
وتابع: إن «القضية الفلسطينية كانت لها حصة الأسد لدى صحيفة «الخليج»؛ لأنها ناقشت وتابعت كل التطورات والتغيرات التي حدثت لهذه القضية».
فاضل ثامر: رغم الهزات بقيت صامدة وقوية
تحدث الأديب العراقي المعروف فاضل ثامر، الذي أجاد بموقعه كناقد أدبي، كما تولى منصب الرئيس السابق لاتحاد الأدباء والكتَّاب العراقيين لأكثر من دورة انتخابية بعد عام 2003، عن جريدة «الخليج» بقوله: «في الذكرى الخمسين لتأسيس صحيفة «الخليج» الإماراتية التي تعد أحد المنابر الإعلامية والثقافية المتميزة في العالم العربي، استطاعت «الخليج» خلق مدرسة صحفية جديدة في الإعلام العربي والثقافي، وأنا هنا أبدي إعجابي بالملفات الثقافية التي تطرحها الصحيفة باستمرار وعلى امتداد عدة صفحات، وكان لي الشرف أن أشارك فيها من خلال لقاءات أو من خلال كتابات وأنا أجزم أنها محط أنظار جميع القرّاء والكتَّاب الذين يتطلعون إلى المساهمة في رفد هذه الصحيفة؛ لأنها قادرة على الوصول إلى عشرات الآلاف من القرّاء يومياً».
وأضاف: «أحيي هذه الصحيفة وأتمنى لها المزيد من التواصل مع الحياة الثقافية بشكل خاص في العراق الذي يمر حقيقة بفعل ثقافي كبير ونتمنى أن تأخذ الصحيفة بعين الاعتبار هذا الموضوع وتوليه اهتماماً خاصاً من خلال تقارير مراسليها، وكذلك من خلال عدد من الكتّاب والنقاد والباحثين العراقيين من مختلف الشؤون الثقافية والاجتماعية والسياسية».
وتابع: إن «الكثير من الصحف تؤسس وتنسى؛ لكن القليل من الصحف تتحول إلى مدارس صحفية، كما تحولت صحيفة «الخليج»، وهذه مسألة واضحة في الثقافة العربية وكذلك في الثقافة العربية، فالصحيفة يجب أن تمتلك هوية خاصة وهدفاً خاصاً واستراتيجية خاصة، أما إذا كانت تطبع بطريقة عشوائية دونما أخذ هذه الاشتراطات فهي بالتأكيد ستؤول إلى الفشل والتوقف وهذا ما يحصل للأسف للعشرات من الصحف والمجلات التي لا تدرك سبب فشلها».
ورأى ثامر، أن «صحيفة «الخليج» وضعت أمامها مجموعة من الأهداف الواضحة وأسست كما قلت مدرسة صحفية، ولهذا نجدها تتواصل وتستمر في مطبوعاتها، حتى على مستوى التصميم العالي والخط الراقي والصورة المطبوعة بجودة جذابة؛ لذلك أستطيع التأكيد أن كل هذه العناصر لها مساحات معينة، وأشعر أحياناً أن لها توازنات، فعندما أجد صفحة كاملة فيها صورة واحدة أو أكثر موضوعة في طريقة مؤثرة أشعر أن هناك رسالة تحاول أن تنقلها هذه الصورة وهذا ما يتحقق فعلاً من خلال هذا الإعلام الورقي والبصري في آن واحد، وبالمناسبة أنا أتابعها حالياً؛ لأننا في العراق نفتقد إلى النسخ الورقية لهذه الصحيفة المهمة؛ لأنها لا تصل إلينا، لكني أتابع بين آن وآخر صفحاتها على الشبكة العنكبوتية، وخاصة الملفات الثقافية، وأتمنى لها التوفيق والازدهار والمواصلة في خدمة الإعلام والثقافة والأدب والحياة الإنسانية في العالم العربي».
وأردف: إن «معظم الصحف الورقية في العراق والوطن العربي تعرضت إلى هزات كبيرة خلال السنوات الماضية وبعضها توقفت نهائياً عن الإصدار، وبعضها الآخر تحول إلى الإصدار الإلكتروني؛ لكن مع كل هذه الهزات بقيت صحيفة «الخليج» صامدة وقوية.
علاء حسن: علمتني الصحافة وخبايا المهنة
قال الصحفي العراقي علاء حسن: «لقد عملت ضمن مكتب صحيفة «الخليج» الإماراتية في بغداد وكان مسؤول المكتب الصحفي المعروف وليد الزبيدي، وكان معنا من العاملين أيضاً الصحفي زيدان الربيعي والذي كان محرراً للشؤون الرياضية في المكتب، إضافة إلى كاظم غيلان وعادل سعد وعلي حبش وأسماء أخرى من قصاصين وكتّاب وأدباء. إن ما لفت نظري في صحيفة «الخليج» هو اهتمامها المتزايد في الشأن العربي عموماً والقضية الفلسطينية بشكل خاص؛ حيث تتناول الشأن المحلي لتلك الدول وهذا ما كانت تخاطب به أفراد الجالية الذين يوجدون في الإمارات، وتلاحظ أن العرب الموجودين في الإمارات كانوا يتابعون صفحات الوطن العربي في هذه الصحيفة بشكل مستمر؛ لمعرفة ما يصدر من قرارات وغيرها قبل أن تزداد عندنا الفضائيات ووسائل الاتصال الأخرى».
وأضاف: إن «صحيفة «الخليج» اهتمت كثيراً بقضية تحرير جنوب لبنان من قبضة إسرائيل على الرغم من أنه في ذلك الوقت كان الإعلام الرسمي العراقي يمنع ذكر أي شيء يتعلق بعمليات تحرير لبنان، إضافة إلى ذلك فإن صحيفة «الخليج» وتشكيلها إلى جانب العاملين فيها لا تقتصر على الإماراتيين، فكثير من العرب كانوا يعملون فيها، فمثلاً في القسم الثقافي كان الشاعر المعروف أحمد فرحات والذي كان متحمساً دائماً لتناول الشأن الثقافي، والملاحق التي عملنا عليها في ذلك الوقت عن الشاعر محمد مهدي الجواهري في وقت كان الجواهري يمنع ذكره في العراق، إضافة إلى الشعراء مظفر النواب ومحمود البريكان وسامي مهدي وعبدالرزاق عبدالواحد والنحات الراحل جواد سليم وكان الاهتمام بالشأن العربي لا يتعدى الجانب السياسي أو الجانب الآخر الاجتماعي بقدر ما كان الاهتمام الكبير والكثير بقضية الثقافة وثقافة البلدان والثقافة العربية بشكل عام وخصوصياتها اللبنانية والعراقية والمصرية وغيرها، وأذكر أن أحمد فرحات حينما اغتيل الشاعر العراقي محمود البريكان في البصرة في زمن النظام العراقي السابق كتب مقالاً عن انتحار نخيل العراق وقتل نخيل العراق، وهذا الموضوع قد أثار الكثير من الاهتمام وفي وقت وجود الإنترنت استطعنا أن نسحب المادة ونقوم بتوزيعها».
وتابع: إنه «بعد عام 2003 باتت صحيفة «الخليج» توزع في بغداد، لكن لم يستمر توزيعها طويلاً، وكانت قضية احتلال العراق تمثل الحدث الأول فيها؛ حيث أفردت صفحات عدة لتغطية الشأن العراقي، وكانت جميع أعدادها تحمل عنواناً مهماً ومثيراً عن الأحداث العراقية، وبعد ذلك فتحت «الخليج» ملفات كثيرة عن الوضع العراقي أنجزها العاملون في مكتبها في بغداد، وقد حظيت تلك الملفات باهتمام كبير من قبل الصحف الأجنبية والقنوات الفضائية العربية والأجنبية؛ لأنني وعلى الرغم من عملي في مؤسسات أخرى غير «الخليج»، فإنني كنت حريصاً على متابعتها بشكل يومي تقريباً، أضف إلى ذلك أن صحيفة «الخليج» كانت تهتم بالشأن العراقي بشكل عام؛ حيث تقوم بتغطية ونشر الأخبار واللقاءات الفنية والثقافية والرياضية والاجتماعية؛ وذلك من خلال ملاحقها الأسبوعية التي يتم إصدارها على مدى أيام الأسبوع وبشكل منسق ورائع للغاية؛ إذ لا يخلو عدد يومي من مادة عن العراق، إضافة إلى ما كان يكتبه مدير مكتبها الأسبق في العراق وليد الزبيدي من تحليلات وغيرها».
عباس لطيف: تمتلك مشروعاً إعلامياً كبيراً
أكد الروائي والناقد الأدبي العراقي عباس لطيف أن «الحديث عن صحيفة «الخليج» التي تصدر في الإمارات حقيقة هي ليست فقط مدرسة صحفية، وإنما هي مشروع كبير وانطلاقة لصحافة شاملة تعتمد على عدة أبعاد، فهي ليست صحيفة متخصصة وهذا يمثل صعوبة كبيرة في صحيفة تتناول الاقتصاد والسياسة وتفرد ملاحق للثقافة وأبواب للاقتصاد وللرياضة وللسياسة ولليوميات وكل جوانب وميادين الحياة، حجم الصحيفة يحتاج إلى عدد كبير من الصحفيين إضافة إلى عدد كبير من المهنيين، وأعتقد أن المهنية هي صفة ملاصقة لهذه الصحيفة، فهي تعتمد المهنية وتعتمد الحرفية في الصحافة؛ لأن هذا الكم من الصفحات يحتاج إلى أناس متمرسين وإلى صحفيين خبروا هذا العمل، واستطاعوا أن يبتكروا هذا النوع من الصحافة التي نسميها صحافة تشمل كل نواحي الحياة، على الرغم من صعوبة هذا التوجه؛ لأن الصحافة المتخصصة تكون دائماً أسهل، لكن هذه الصحيفة تطرق الباب الأصعب وتتناول الأصعب؛ لذلك زمن وعمر هذه الصحيفة استمر على مدى خمسين عاماً، فهي بالتأكيد أنتجت أجيالاً كثيرة من الصحفيين؛ لذلك إن هذه الصحيفة تتمتع بصفة جميلة ومهنية وانفتاح إن صح التعبير؛ لأنها تستقطب الكتَّاب العرب، وتنفتح على المحيط العربي وتتخصص في شؤون العرب، فهناك صفحات تتحدث عن المشاكل السياسية سواء في الخليج أو المنطقة أو في كل قطر عربي، تحاول أن تعطي رؤية سياسية وتحليلية لكل واقع، وهذا يمثل انطلاقة استراتيجية أو فعلاً استراتيجياً شمولياً لدراسة الواقع العربي بكل أشكاله، سواء على مستوى الوعي والإبداع ومتابعة الفنون والآداب والنصوص الأدبية أم على مستوى الظواهر الأدبية الأخرى، ثم تتناول الظواهر الاجتماعية والسياسية».
وأضاف: «تعد هذه الصحيفة مرجعاً كبيراً للدراسات، وهي ليست محصورة على توثيق الظواهر، إنما تقوم بتحليل تطورها، ومسايرتها للتحولات، فقبل خمسين عاماً بالتأكيد كان هناك انطلاقات أو تناولات معينة، ولكن المتابع للواقع العربي يستطيع من خلال دراسة تاريخ هذه الصحيفة أن يكتشف ما هي التحولات الاجتماعية التي حدثت في المنطقة؟، والتحولات السياسية وحتى التحولات على مستوى الوعي والكتابة».
ورأى، «أنها تجربة فريدة وموضع دراسة وتقدير لكل الصحافة العربية وقال: كذلك أعتقد بأن لها ريادة كبيرة على مستوى الحجم وعلى مستوى هذه الصحافة الشمولية؛ لأن وجود صحيفة بهذا الحجم وهذا التناول؛ يؤسس لمشروع كبير ولمرجعية يستطيع الإنسان ليس في الخليج فقط وإنما على مستوى العرب وعلى مستوى العالم أن يطلع عليها كنصوص وكمدونات وثقت للحدث العربي بكل أبعاده وحقوله». وبالتأكيد صحيفة بهذه المسؤولية وبهذه المواصفات تعد مرجعاً؛ لأنها تهتم بالقضايا المصيرية التي تمثل انعطافاً في تاريخ العرب، كالقضية الفلسطينية.
حسين حمية: العيد الخمسون.. ومجدٌ لا يغيب
خمسون عاماً مرّت على صدور «الخليج» في 19 أكتوبر 1970، فيما ولجتُ أبوابها قبل أسابيع معدودة من موعد إصدارها الثاني، في الخامس من إبريل عام 1980، في عداد ثُلّة من الصحفيين والعاملين متنوّعي المشارب والأداء، تلاقوا في ظهرانيها وهم على أفضل آمال وتطلّعات لما سبق إصدارها من أصداء عن رساليّة أصحابها وطِيب سمعتهم في الممارسة الوطنية والقومية فضلاً عن رفقتهم الممتدة مع القلم ومداده..
والحق يُقال أنّني وجدتُ، مع رفاقي، في «الخليج» بيتاً لممارسة خبرتي التي اكتسبتها من قبل، لكن ذلك التفاعل الذي طبع ممارستنا الصحفية فيها أعلى من فعاليّة أدائنا لمهامنا التحريريّة والإعلامية، وراح بنا الى مدارك أوسع في المهنة ومستجدّاتها، ولعلّي لا أُغالي في القول إن «عِشرة» العمل مع الزملاء الرفاق من مختلف «الجنسيات العربية» ولّدَ فرادة في عمل «الخليج» ونتاجها طالما لمستُ من قرّائها المتابعين استحساناً لها فضلاً عن تلمّس هذه الفرادة في كل مندرجات موادها..
ولأنّه قُيض لي أن أكون في عِداد العاملين في «الخليج» من الأيام الأولى لصدورها الثاني، وفي هيئة تحريرها المتقدّمة كسكرتير مركزي للتحرير، وهو بمثابة «المصفاة»، فإنّي استزدت تعلّماً وجمعاً لمكوّنات الخبرة من كبار مديريها ومحرّريها ورؤساء أقسامها الذين دأبوا على إعطاء وبذل أفضل ما يفتكرون وتسطيره على صفحات الجريدة ليتباهى كلُّ صباح به..
خلال سنوات خمس قضيتها في رحاب «الخليج»، وبين أوتاد خيمتها في الشارقة، شهدت كيف شكلت هذه الصحيفة في سنواتها الأولى، برعاية ربّانيّها الكبيرَين الراحلَين تريم وعبدالله عُمران، مختبراً لسياقات مهنيّة وإعلاميّة متجدّدة، خلافاً لما كان سائداً، وغدت نموذجاً لامعاً للإعلام المهموم بقضايا كل الناس، على اختلافها، ممّا ظهّرَ وفاءها ووفاء الساهرَين الكبيرَين عليها لما رفعته من شعارات «اتّحادية» و«وحدويّة» ولما جاهرت به من أن العدل لا يقبل ب«وطن منسيّ»...
وقد بدا لكل عين أنّ «الخليج» في هذه السنوات غدت بفضل رعاية ربّانيّها في مقدّمة الصحف العربية توثيقاً ومصدراً للأخبار والتحليلات الصائبة والموضوعية والمتفرّدة فيما تورده، كما صارت الأكثر جذباً لمروحة من القرّاء متنوّعي الجنسيّات في دولة الإمارات وخارجها، وتطلّع الى الكتابة والمساهمة فيها كثير من الأقلام الرفيعة في مستواها وتفكيرها وثقافتها وسِعة اطّلاعها..
مع بداية عام 1985، حطّ بي قرار من إدارة «الخليج» في بيروت وترجم هذا القرار رؤية «الخليج» وربّانيّها وإدارة تحريرها لضرورات متطلّبات تغطياتها الخارجية، لاسيّما في أقطار ومدائن عربيّة عامرة بالأحداث ولو أنها سجّلت أهميّتها في الميادين الثقافية والفكرية والفنّية فضلاً عن معانقتها لروح العصر ومتطلّباته.. بيروت في تلك الأيام كانت مليئة بالأحداث، ولم تكن قد خرجت من حربها الأهلية بعد، وهو ما جعلها مصدراً للحدث وبالتالي للخبر والتحقيق والتحليل والمقابلة والندوة ولتبيان صراع الدول على أرضها، فضلاً عن ماهيّة الصراع والتقاتل بين مكوّنات مواطنيها.. ولكي أنجح في عملي، ولأكونَ عند حُسن ظنّ اختياري، فقد عملت بجدٍّ واجتهاد وتحمّلت أخطاراً لينجح مكتب مراسلة «الخليج» من بيروت في منتصف الثمانينات أيما نجاح في رصد أحوال ساحة عربيّة كانت الأكثر سخونة في ذلك الزمن والوقت..
ولا يخفى على أحد أنَّ «الخليج»، وبتأثير بيِّنٍ، وكان ملموساً جدًّا، من ربّانيّها المرحومَين على الوسط القومي والثقافي والفكري في العاصمة اللبنانية، حازت على حوافز وتسهيلات لعمل طاقمها في مكتبها ببيروت بدا ينافس في إنتاجه عمل صحف لبنانية عريقة في بلد إصدارها، وقد غذّى تكثيف انعقاد مؤتمرات «الخليج» السنويّة، مع نهاية الألفيّة الثانية، تطلّع فعاليات فكرية وصحفية لبنانية وعربية الى التعامل مع «الخليج» كموئل للمهمّ من عطاءاتهم واقتراحاتهم ودراساتهم القيّمة فضلاً عمّا يعتقدونه من أنّ «الخليج» ستكون خير من ينشر ويوصل أقيم ما اختمر من أفكارهم وإنتاجهم..
وقطعاً لا تُنسى مناسبة عبّرت فيها بيروت عن تقديرها وامتنانها لصحيفة عربيّة كبيرة وأولى مثل «الخليج» عندما استقبلت في دار نقابة الصحافة فيها عام 2002 حفلاً تأبينيًّا كبيراً للراحل الكبير الأستاذ تريم عمران تريم باعتباره أحد الروّاد الكبار الذي فقدته الصحافة والإعلام العربيّين، في حينه، وكان لافتاً أنه لم يبقَ كبير ومفكّر من بلاد الأرز إلّا وحضر الحفل حتى ضاقت أرجاء الدار وفناؤها بالوافدين كما لم يحدث من قبل...
ولعّله من باب الإنصاف والعدل والصدق التقرير والإقرار أنّ مؤسسات بيروت الصحفية نظرت الى صاحبيّ ومؤسّسي «الخليج» ودارها الراحلَين الكبيرَين تريم وعبدالله عمران، رحمها الله، كرمزَين رائدَين في نهضة دولة الإمارات العربية المتحدة على الصعد الفكرية والثقافية والوحدوية والإعلامية، وتجسيداً لذلك فإن الشخصيات والمؤسسات اللبنانية لم تكن لتنقطع يوماً عن الإلحاح والإصرار للقاء الرجُلَين في زياراتهما المتكرّرة الى بيروت قبل رحيلهما، ولعلّه كان مثالاً ساطعاً إحياء حفل الذكرى الأربعين لصدور «الخليج» في بيروت عام 2010، وذلك تقديراً لمكانتهما المسنودة الى تاريخ مشهود وموثّق لهما، وهو تقدير لم يسبقهما إليه في بيروت سوى قلّة من كبار الإعلاميين والصحفيين العرب يُذكر في مقدّمهم الكبير الراحل محمد حسنين هيكل..
وبعد. يُساور الكثيرين ممّن اعتادوا رفقة «الخليج» كلَّ صباح، وأنا منهم، شعورٌ قويّ بأنّنا اليوم أحوَج ما نكون الى دوام صدورها كما يحتاج النظر الى دوام مصادر النور والكشف في كل وقت...
تحيّة أوجّهها، في الذكرى الخمسين لصدور «الخليج» الى حامل الأمانة وصاحب الإرادة الأستاذ خالد عبدالله عُمران، مجدّداً مع زملائي العهد أنّنا سنظلُّ أوفياء للصرح الذي اكتسبنا في ظلاله قيمتنا، مع الدعاء بأن تظلّ «الخليج» مجداً للكلمة الحُرّة الكاشفة إذ لن يقوى على تغييب مجدها أيّ غياب لأنَّ الراحلَين الكبيرَين باقيان في قلبنا وبالنا كروحَين ستظلّان إرثاً خلّاقاً متجدّداً، يتبلور عطاء مستمرًّا ومتواصلاً عند كل العاملين في «دار الخليج»..
محمد الرميحي: مؤسسة إعلامية كبرى
قال الأكاديمي والمفكر د. محمد الرميحي: أود أن أقدم تهنئة مخلصة للعاملين في «الخليج» التي أتمت نصف قرن، يجب أن نتذكر جهود الأخوين تريم وعبدالله عمران اللذين قاما بإصدار تلك الصحيفة التي أصبحت اليوم مؤسسة إعلامية كبرى، كما نذكر بالفخر هؤلاء الشباب الذين قامت على أكتافهم الكثير من الأعمال الثقافية المتميزة وهم شباب الشارقة وأبناء دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتابع: جريدة «الخليج» نشأت قبيل إنشاء الاتحاد، وكان هاجساً للمثقفين، خاصة الأخوين تريم وعبدالله عمران، وأذكر أنها في بداية الإصدار كانت تطبع في الكويت قبل أن تنتقل إلى مقرها الحالي في الشارقة، وتحولت من جريدة يومية إلى مؤسسة إعلامية وثقافية كبرى بها كثير من المنشورات التي تهم القارئ العربي.
وأضاف د. الرميحي: لا بد أيضاً أن نذكر أن هذه الصحيفة قام على أكتافها بناء العمل الثقافي الكبير الذي قامت به دولة الإمارات.
سامي النصف: موقف صلب إبان وحدة الإمارات
في البداية، قال وزير الإعلام السابق سامي النصف: أبارك لجريدة «الخليج» عيد صدورها الخمسين الذي بدأ من الكويت في العام 1970 وسط حرب شعواء من الإنجليز وإيران بسبب خطها العروبي المعروف، وأرجو أن نصل إلى اليوم الذي نرى فيه هذه الأمة أمة عربية واحدة، وهذا ما يحقق أمنية الآباء المؤسسين للجريدة تريم وعبدالله عمران.
وتابع: أتذكر لها وقفتها في الأيام الأولى للصدور عام 1970 وتعرضها لمضايقات كثيرة من قبل قوى مهيمنة ومعادية مثل بريطانيا وإيران، ومع ذلك أصر المؤسسان تريم وعبدالله عمران على الصدور.
وموقفها إبان وحدة الإمارات السبع، وكانت الوحدة انعكاساً لفكر المؤسسين، وأن وحدة الإمارات السبع سينتج عنها القوة والتقدم والتطور، وهو ما حدث بالفعل.
فضلاً عن موقفها إبان فترة غزو العراق للكويت في 2 أغسطس 1990 بحجة الوحدة، وفند المؤسسان تلك الحجة.
علي الدباغ: صوت يدافع عن قضايا الوطن
أكد سفير جمهورية العراق في العاصمة العُمانية، مسقط، ووزير الدولة السابق في الحكومة العراقية، والذي كان أحد أعضاء البرلمان العراقي سابقاً، الدكتور علي الدباغ، عمق علاقاته مع صحيفة «الخليج»، باعتباره كان قريباً جداً منها منذ صدورها الثاني في ثمانينات القرن. مؤكداً أن صحيفة «الخليج»، هي صوت دافع ويدافع عن قضايا الوطن في الإمارات كجزء من رسالتها وهي منبر للدفاع عن الإمارات وأهلها.
وقال الدباغ: «صحيفة «الخليج» الإماراتية بمعاناة إصدارها الأول عام 1970 والتي تم إيقافها؛ لأنها انتسبت للخليج العربي، وعادت للصدور بقوة وعزم. كانت قصة نجاح حققت لها جمهوراً واسعاً من القرّاء والمتابعين داخل الإمارات وكذلك في الدول العربية الأخرى التي كانت تصل إليها قبل ثورة الاتصالات والإنترنت والتقنيات الحديثة التي جعلت الصحيفة متابعة أكثر وأكثر عبر موقعها الإلكتروني، وقد كنت شاهداً على أول إصدار لها، وبقيت مرافقاً لها لسنين عديدة على الرغم من اختلافي واختلاف الآخرين مع ما تطرحه في بعض الأحيان؛ لكن هذا الاختلاف لا يفسد للود قضية كما يقولون.
طالب الرفاعي: تتبنى القضايا الإنسانية العادلة
قال الروائي الكبير طالب الرفاعي: يشرفني ويسعدني أن أشارك الزملاء الأفاضل في جريدة «الخليج» فرحتهم بمناسبة مرور 50 عاماً على إصدارها، و«الخليج» كانت ومنذ صدروها وحتى الآن صوتاً إعلامياً خليجياً عربياً إنسانياً تتبنى القضايا الإنسانية العادلة أينما كانت بموضوعية ومهنية عالية، كما لا ننسى أنها تضم بين كتابها أسماء عربية مهمة في المجالات كافة، وأصبحت منبراً مهماً من منابر التنوير العربية، وليست مجرد جريدة عادية.
وتابع: ول«الخليج» خصوصية أنها تصدر من إمارة الشارقة.. شارقة الخير.. شارقة الثقافة.. شارقة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي أحد أعمدة الثقافة في الوطن العربي، لذا كل التقدير والمحبة والتهنئة للزملاء في جريدة «الخليج»، متمنياً لهم كل التوفيق والنجاح.
أحمد الجمال: أربعة عقود.. وسنة في "الخليج"
عشت – بكامل معنى الكلمة – الإصدار الثاني لصحيفة «الخليج»، إذ وقّع الأستاذ تريم عمران عقد عملي في الأول من أكتوبر 1979، بعد أن التقينا في دار أخ كبير رفيع القدر، سامي المكانة، في الشارقة، حيث حللت ضيفاً عليه، ومنذ 29 سبتمبر 1979 إلى نوفمبر 1985، تاريخ انتقالي لمكتب الدار بالقاهرة، لم نفترق – الأستاذ تريم وكاتب هذه السطور - إلا لضرورات كالسفر، وصاحبته في كل الخطوات ابتداء من تجهيز المقر القديم بشارع الوحدة، واستخراج تأشيرات قدوم الدفعة الأولى من الصحفيين والفنيين، ومعاينة مطبعة باقر خريبط التي طُبِعَت فيها نسخ تجريبية، وقدمني الأستاذ تريم إلى شقيقه بل «توأمه» الأستاذ عبدالله «الدكتور»، حيث كانا يقطنان منزلين متجاورين.
وفي نوفمبر 1979 كلفاني بالسفر إلى بيروت للاتفاق مع طلال سلمان رئيس تحرير صحيفة «السفير»، على شراء نسخة من أرشيف صحيفته، لتكون نواة أرشيف «الخليج»، وللاتفاق مع مجموعة من الكتاب، منهم - على ما أذكر - حازم صاغية، ووليد شقير، وأنيس نقاش - الذي كان أول مراسل ل«الخليج» في لبنان - وتوالى قدوم الزملاء، وفي المقدمة محمد محفوظ صاحب الدور الأساسي المهم في الإصدارين الأول عام 1970، والثاني 1980، وكان كاتباً ورساماً ومخرجاً.
واحد وأربعون عاماً عشتها في «الخليج» بين مقرها الرئيسي وبين مكتبها في القاهرة، وأستطيع أن أزعم أن ما جرى في تلك السنين يستحق كثيرٌ منه أن يكون بحثاً أو دراسة وربما رواية أدبية.
ثم أشهد – وليس أزعم – أن المصاعب والمشاكل التي أدار آل عمران مواجهتها، كانت كفيلة بإنهاء التجربة مبكراً، ولأنها مصاعب ومشاكل ضخمة، فإن النجاحات والتميزات كانت بحجمها، لتصبح «الخليج» الصحيفة الأولى في منطقة الخليج، ومن أبرز الصحف في الوطن العربي.
ثم إنني في مأزق، قد لا أستطيع تجاوزه، وكذلك من هم مثلي ممن عاشوا التجربة من بدايتها، وهو عدم القدرة على الفصل بين الذاتي وبين الموضوعي، لأن مسيرة الإصدار الثاني ل«الخليج» هي مسيرة كل واحد ممن شاركوا.. كلٌّ يستطيع أن يتحدث عن دوره وعلاقته وكأنه يتحدث عن صميم مسيرة الصحيفة، ولذا ألتمس العذر من القارئ إذا نضحت الذاتية أكثر من اللازم.
لقد تميزت «الخليج» بالمزج المتفرد بين الرأي وبين الخبر، وبين الجدية والرصانة المتجهمة أحياناً، وبين المنوعات الخفيفة والتحقيقات الثرية، ثم جمعت وببراعة بين الاهتمام بقضايا الإمارات والوطن العربي وبين عمق الاهتمام بواقع المجتمع الإماراتي على كل الصعد.
ثم قدمت نموذجاً يحتذى في صفحات الرأي، حيث كتاب المقالات والأعمدة من الإمارات، ومن مختلف الأقطار العربية، وأذكر التنوع الفريد الذي ضم عصمت سيف الدولة، وأمين هويدي، ومحمد أحمد خلف الله، وصلاح حافظ، وجميل مطر من مصر. ومنح الصلح، وعصام نعمان، وإلياس سحاب وغيرهم من لبنان. ومحيي الدين صابر، ومحمد أبو القاسم من السودان، وهلم جرا من بقية كتاب الأمة العربية.
وقدمت «الخليج» نموذجاً ثرياً للملاحق الأسبوعية في الثقافة والاقتصاد والصحة، وغيرها من الملاحق، وكان كل ملحق صحيفة بذاته من حيث المحتوى وعدد الصفحات.
وفي مسيرة «الخليج» تعددت المعارك الثقافية والأدبية والسياسية، وأستطيع أن أقول إن «الخليج» واجهت من وقت مبكر التوجهات الأصولية المتأسلمة، في زمن امتلكت فيه تلك التوجهات منصات ومواقع مؤثرة في المجتمع، وأذكر معركة مناهج التربية والتعليم، ومعركة التجديد في الفكر الإسلامي وغيرهما، وهنا لا بد من نسبة الفضل لأصحابه، إذ وجدت «الخليج» من يصدَّ عنها وبقوة، هو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وفي ذلك وقائع لا يتسع المجال لذكرها.
بقيت «الخليج» صامدة في التزامها الوطني والقومي، وبقيت قيادتها تريم وعبدالله عمران، ثم عبدالله عمران قادرة على إدارة الدفة وتأمين السفينة في أوج عواصف كثيرة، والمسيرة الآن وعلى رأسها خالد عبدالله عمران وأشقاؤه ستمكن «الخليج» المؤسسة بإصدارتها من الاستمرار رغم تغير الظروف على كل الصعد.
جميل مطر: "الخليج" رافد عروبي حافظ على الهوية
القاهرة: غريب الدماطي
جميل مطر مفكر وكاتب مصري بارز في الفكر المستقبلي، والسياسة الدولية، تتسم كتاباته بالتخصص الدقيق، والتناول العميق، فهو أيضاً أحد شيوخ الدبلوماسية والصحافة في العالم العربي. عاصر مراحل تطور جريدة الخليج خلال عقود ماضية، وارتبط بها كاتباً ومفكراً عربياً مهتماً بالقضايا العربية والدولية، وباحثاً مهموماً بموقع مضيء للأمة العربية وسط التحديات العالمية، التي لا تنتهي.
تحدث جميل مطر، الذي يحمل التاريخ والدبلوماسية والصحافة بين أضلعه وعقله عن علاقته ورؤيته لجريدة «الخليج»، في ذكرى مرور 50 عاماً على صدورها، فقال: جريدة «الخليج»، كانت الوسيلة العظمى لمعرفتنا بمنطقة الخليج، إلى جانب صحيفتين كانتا تصدران في الكويت، لكن «الخليج» شكلت بالنسبة لنا- كصحفيين وكتاب مصريين- بوابة ونافذة عناية في الأهمية، للاطلاع على المنطقة، خاصة على دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، خلال سبعينات القرن الماضي.
وأضاف أن الشقيقين الراحلين تريم وعبدالله عمران، رحمهما الله، استطاعا وببراعة شديدة أن يحددا بوصلة الصحيفة؛ بل وكافة إصدارات الدار؛ حيث تبنت وجهة نظر التيار العربي والقومي الجارف، واستطاعا تشكيل الوعي بأهمية العروبة، وسط تحديات جسام، وفي مواجهة تيارات ظلامية، تستهدف المنطقة؛ بل الهوية العربية ذاتها.
واستطاعت «الخليج» بما امتلكته من إدارة واعية بشؤون وتحديات وتطلعات الأمة العربية، أن تقفز من نطاق المحلية إلى الإقليمية، ثم العالمية، وخاضت معارك الصمود والتصدي، وحفرت لذاتها مجرى كبيراً شكل رافداً وصوتاً معبراً عن التيار القومي وبحرفية شديدة، وكانت وما زالت إحدى الأصوات القليلة، التي ما زالت تمسك على جمر الحرية والعروبة والتنوير.
ويواصل جميل مطر، حديثه عن «الخليج»: هنا لا بد أن أشيد أكثر وأكثر بالراحلين العزيزين تريم وعبدالله عمران؛ حيث استطاعا وبذكاء شديد الجمع بين الوظيفة السياسية، والوظيفة السياسية والاجتماعية لإصدارات دار الخليج، لاسيما أن تريم كان مسؤولاً تنفيذياً في دولة الإمارات؛ حيث كان في مقتبل عمره سفيراً لدولة الإمارات في القاهرة، وكان شقيقه الراحل عبدالله وزيراً للتعليم، وكانت تلك التجربة منذ نشأتها شيئاً جديداً وفريداً في العالم العربي، وقد أجاب الشقيقان عن السؤال الصعب، كيف يمكن أن تكون مسؤولاً في دولة ما، وتصدر صحيفة شديدة الحرص على أن تمارس الحرية والنقد البناء.
وقال جميل مطر: يحسب لأصحاب التجربة الأعزاء، أنهم استطاعوا بذكاء ومهنية رفيعة اختيارهم الكتاب من أفضل كتاب العالم العربي في شتى المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية، كتاب ممن لهم وزنهم المهني والسياسي، واستطاعوا توصيل أفكارهم من خلال إصدارات دار الخليج، خاصة صحيفة «الخليج»، ومركز الدراسات ومجلة «الشروق» الرصينة.
وأضاف مطر، أنه بحكم علاقتي وقربي من الشقيقين الراحلين، فقد مرت «الخليج» بتحديات ضخمة، سواء من الناحية الأيديولوجية والسياسية، واستطاعت ببراعة الصمود ضد التيارات الجديدة، وخاضت معارك في مواجهة العولمة، واستطاعت الحفاظ على رونقها العروبي الأصيل الرصين، كما خاضت معارك كبرى ضد التطبيع والتفكير المادي، والآن يمكن القول بعد رحيل العزيزين تريم وعبدالله، استطاع الأبناء مواصلة التحدي الأكبر، ونجحت «الخليج» فيما لم يفلح فيه الآخرون من التطور التكنولوجي، وانتقلوا سلمياً من توصيل الخبر أو الرأي إلى القارئ الذي لم يعد يقرأ الإصدار الورقي، وهنا تكمن عبقرية الأبناء في الحفاظ على قيمة وأهمية الإصدار الورقي، في ظل التحول الرقمي، الذي يشكل الآن التحدي الأكبر، ليس فقد أمام القارئ؛ بل يشكل تحدياً أمام الكاتب أيضاً، خاصة في منهج التفكير والفكر، لاسيما أنه مع التحول الرقمي تغيرت طريقة التفكير لدى الكتاب والصحفيين والقارئ أيضاً.
وأضاف مطر أنه يحسب ل«الخليج» نجاحها في كل معاركها والتحديات التي واجهتها منذ تأسيسها حتى الآن. وأشهد أن أصحاب الدار تعرضوا لمشكلات شخصية كبيرة بسبب ضخامة المسؤولية الملقاة على عاتقهم، كونها تعبر عن تيار واضح وحفرت لذاتها مكانة وقيمة في السوق، فقد قاومت التحديات بنجاح، كما استطاعت الدار الانتقال إلى ما هو حديث في عالم صناعة الصحف بنجاح أيضاً، ومن سيكتب تاريخ الصحافة العربية لا بد أن يذكر تلك العائلة بأنهم أثروا في الوجدان العربي، وحافظوا على الهوية العربية وخاضوا معارك الصمود والتصدي، ونجحوا في الانتقال الحديث متماسكين غير فاقدين لأهمية ما أسسه الآباء.
وأكد مطر أنه من خلال متابعته اليومية لكافة إصدارات الدار، فقد استطاعت جريدة «Gulf To Day» النسخة الإنجليزية من «الخليج»، القيام بدور تنويري لتمكين المرأة بعمق شديد، كنا فقط نسمع عنه، فبات الآن واضحاً بتأثير الصحيفة، كما مثلت مجلة «كل الأسرة» تجربتها الفريدة في التناول والتطور والتأصيل والتنوع، وتحديها الجديد في التحول الرقمي أيضاً، وهذا الجهد المضني لا يمكن أن يتأتى إلا من أجيال اكتسبت خبرة الأساتذة الآباء المؤسسين.
وقال مطر إن «الخليج»، لعبت دوراً عظيماً في القضايا العربية، خاصة القضية الفلسطينية، وكانت صوت المقاومة بامتياز في مواجهة الاحتلال، وحملت الرسائل والدور السياسي والتنويري بقضية العرب الأولى، وكذلك لعبت دوراً تنموياً.
وأكد مطر في ختام حديثه: «لقد كانت تجربتي في صحيفة «الخليج» غنية بالمواقف الإنسانية والمهنية والسياسية، وأحمل ذكريات صداقة قوية مع الراحلين العزيزين تريم وعبدالله، رحمهما الله، وخرجت من حيز العلاقة بين كاتب يعتز بالصحيفة، التي كتب فيها، وصاحب جريدة، لتصبح تجربة مثيرة استفدت منها كثيراً في مشواري المهني الطويل.