يناظر محمد فتحي مدرب الفريق المحلي لمدينة الموصل، ملعب نادي الموصل شمالي العراق، متحسراً على هذا المستطيل الأخضر الذي تم تدميره بعدما حوله تنظيم «داعش» إلى مكان محرّم خلال ثلاث سنوات من الحكم بالحديد والنار.
ويقول فتحي: «لم أعد قادراً على التعرف إلى الملعب بعد تدميره، لم يبق في المدينة أي ملعب آخر لمزاولة كرة القدم، آثار الدمار التي تحيط بالمكان تتحدث عن كل شيء».
ويعد فريق نادي الموصل من أشهر الأندية المشاركة في مسابقة الدوري العراقي قبل سقوطه في موسم 2010-2011، ويستعد الآن للمشاركة في تصفيات تأهيلية من أجل العودة إلى مصاف الدوري الممتاز.
تأسس نادي الموصل عام 1947، وشارك فريقه الكروي في الدوري العراقي للمرة الأولى في موسم 1982-1983، وشارك في المسابقة خلال 18 موسماً، وكان يعرف ملعبه بـ«المرعب» لسقوط أغلبية الفرق الجماهيرية الكبيرة أمامه هناك.
وبقيت تسمية الملعب ذاتها خلال سيطرة تنظيم «داعش» على المدينة؛ إذ يشير عمر الموصلي إلى أن «عناصر التنظيم كانوا يسمحون بممارسة كرة القدم مقابل دفع مبالغ لهم، ويعاقبون أي فريق يقدم على إقامة بطولة وتوزيع ميداليات».
تحريم وجزية
ويقول الموصلي (30 عاماً): «كنت أتابع مباريات كرة القدم بين اللاعبين الشباب في هذا الملعب، وبشكل مفاجئ كانت تحضر عربات عناصر تنظيم الدولة رباعية الدفع مع أسلحتهم، في منظر مخيف، فكنت أنسحب بهدوء».
ويضيف: «تحولت الأماكن تحت مدرجات الملعب أثناء احتلال المدينة إلى مخزن أسلحة لعناصر التنظيم، الذين قاموا بنصب منصات إطلاق قذائف أثناء عمليات التحرير داخل الملعب».
وخلال فترة الحكم الظلامية، كان الجهاديون يجبرون اللاعبين على ارتداء سراويل طويلة تغطي الركبة، ويمنعونهم من ارتداء قمصان تحمل أسماء وشعارات أندية أجنبية، ويلزمونهم بإيقاف المباراة مع الأذان، لإقامة الصلاة.
ولا تزال الندوب شاخصة في الملعب الذي كان يحتضن مباريات كرة القدم قبل اجتياح الجهاديين للمدينة في عام 2014، وعمقتها المعارك الشرسة خلال عمليات تحرير المدينة حتى طرد التنظيم المتطرف منها في يوليو 2017.
كرة القدم والحياة
وقال فتحي الذي يدرب فريق نادي الموصل منذ 15 عاماً: «كنا نأمل أن تمتد يد العمران لتعيد الحياة إلى هذا الملعب، لكن للأسف لم تدرك الحكومة المركزية أن كرة القدم هي التي تعيد الحياة إلى المدن والناس والشباب، فبقي الحال هكذا».
وتبلغ سعة ملعب نادي الموصل لكرة القدم 20 ألف متفرج، وهو أكبر الملاعب الثلاثة في المدينة بعد ملعب الجامعة بسعة ثمانية آلاف متفرج، ويخضع حالياً للصيانة، وملعب الدواسة وسعته ألف شخص وحالياً خارج الخدمة.
لكن على الرغم من الخراب والدمار، يواصل فريق كرة القدم لنادي الموصل تدريباته لأكثر من حصة أسبوعياً، على أرضية ترابية محاطة بمدرجات تملؤها آثار القذائف والرصاص.
ويضيف فتحي: «نضطر لإجراء تدريباتنا هنا؛ لأن الفريق يلعب الآن في الدرجة الأولى، بعدما ودع الدوري الممتاز منذ عشرة أعوام، ويتحمل رئيس النادي وبعض أعضاء الإدارة أعباء تأمين مستلزمات الفريق».
اليد الطولى للفساد
ويقول الإعلامي طلال العامري: «ليس التدمير الذي طال ملعب نادي الموصل هو الذي حرم اللاعبين من ممارسة كرة القدم فيه فقط؛ بل للفساد دور كبير في هذا الحرمان».
ويلفت العامري المقيم في الموصل، إلى أن ملعب النادي يعود إلى منتدى شبابي تابع لمديرية الشباب والرياضة، وقد أخذت إحدى المنظمات الدولية على عاتقها إعادة إعماره، لكن أحد المستثمرين سيطر عليه بموافقة وزارة الشباب والرياضة قبل عامين لاستثماره، وأوقف أعمال التطوير فيه.
وأضاف العامري أنه بعد اعتراض الاستثمار بسبب شبهات الفساد، وجه وزير الشباب والرياضة الحالي عدنان درجال، بإيقاف تلك الإجراءات في انتظار حسم الأمر.
ولمع نجم أكثر من لاعب من الموصل في سماء الكرة العراقية، أبرزهم لاعب الوسط الهجومي لمنتخب العراق في مونديال المكسيك 1986 حارس محمد، فضلاً عن هوار ملا محمد الذي أسهم في حصول العراق على كأس آسيا 2007، إضافة إلى مدافع منتخب أسود الرافدين الحالي أحمد إبراهيم.
وفي مركز مدينة الموصل أكثر من 15 فريقاً شعبياً لكرة القدم، ونظراً لافتقار المدينة التي تعد كبرى مدن محافظة نينوى الشمالية ويسكنها 4 ملايين نسمة، إلى ملاعب كرة قدم، يضطر عشرات الشبان من عشاق اللعبة الشعبية الأولى في العالم، إلى ممارستها على ملاعب ترابية غير نظامية.
ففي ساحة المستقبل المشرق في حي البكر شرقي المدينة، يتجمع يومياً عدد كبير من الأشخاص لمتابعة المباريات.
مواهب مدفونة
ويقول مدرب فريق المستقبل ميثم يونس (34 عاماً): «هناك العديد من اللاعبين المتميزين في الفرق الشعبية، لكن للأسف ليست لدينا ملاعب نظامية، لذلك يفتقد اللاعبون إلى فرص إظهار إمكانياتهم ومواهبهم».
وشهد ملعب نادي الموصل آخر مباراة على أرضه قبل احتلال المدينة عام 2014، جمعت فريق الموصل بفريق البيشمركة من محافظة السليمانية في إقليم كردستان العراق، ضمن مباريات دوري الدرجة الأولى.
وعلى الرغم من إقامة مباراة عقب التحرير بين فريقي الموصل والكرخ، انتهت لمصلحة صاحب الأرض 3-0 على ملعب جامعة الموصل، لا يزال يونس ينتظر اليوم الذي ستعود فيه صيحات وهتافات الجماهير إلى ملعب أم الربيعين.