من يقطع رأس الجمهورية؟

00:12 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

ينتابني القلق الكبير من أن تكون رؤية الغرب الراهنة للإسلام والمسلمين دائمة الإرباك، أو أسيرة، أو مستوردة، أو مفروضة الملامح والجذور والصور التاريخية المحفورة في الذاكرة منذ القرن الحادي عشر. فقد شهد هذا التاريخ بدايات ما عرف بالحروب الصليبية، وبذور الهوية القومية الغربية الحديثة، مروراً بالاستعمار الأوروبي الواسع، وبروز القوة الأمريكية إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما نعاينه من تداعيات نسف البرجين في 11 أيلول/ سبتمبر، وكلها أغرقت صور الإسلام والمسلمين في ملامح ربيعية دموية، وخطيرة متجدّدة. نعم. تتجدّد من الرأس المقطوع في باريس تعاطفاً واسعاً، ونصرة لقيم الديمقراطية، و«الحريّة». أسمح لنفسي بوضع الحرية بين قوسين.

 «الرأس المقطوعة في باريس»، أربع كلمات شديدة الإثارة والوقع على بشر يقيمون في كهوف وسائل الإعلام تتغذّى بالإثارة، والإعلانات، والتحريض. برزت الإثارة لدى الإعلان عن الضحية صموئيل باتي بصفته أستاذ تاريخ بلغ ال47 عاماً. هاجمه، وهو في طريقه من المدرسة الإعدادية إلى منزله، إرهابي شيشاني مولود في روسيا، ومقيم في باريس منذ عشر سنوات. وتمكّنت الشرطة الفرنسية من قتله في المكان نفسه، (الجمعة 16/9/ 2020). بردت الإثارة قليلاً بعد شيوع سبب الجريمة، وهو أنّ الأستاذ عرض على تلامذته رسوماً كاريكاتيرية لنبي المسلمين الكريم، راجت على الفيسبوك. وبردت الإثارة أكثر بردود الفعل عند وصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى المكان، ثمّ تجمّع الآلاف في مسيرات صامتة على شرف المعلّم، إلى وقوف البرلمان الفرنسي دقيقة صمت عن نفسه (الثلاثاء 20/9/2020)، وصولاً إلى حفل التأبين الرسمي مع عائلة باتي بحضور 400 شخصية، ومنحه أرفع جائزة فرنسية، ووسام الشرف، في مبنى جامعة السوربون. ولأنني من طلاب السوربون القدامى والعاملين فيها، شئت أن أدرج هذه الإشارة اللافتة.

 وأظنّ، ولست مخطئاً، أن تصريح رئيس وزراء فرنسا تعليقاً على الجريمة، بأنّ «الإرهاب ضرب قلب الجمهورية»، ضاعف الإثارة لثلاثة أسباب:

1- لأنّ رأساً مقطوعاً عثرت عليه الشرطة الفرنسية خلال عهد الرئيس السابق فرانسوا هولاند، قبل 5 سنوات (25/7/2015)، وإلى جانبه كتابات باللغة العربية بعد انفجارات حصلت قرب مدينة ليون في قلب مصنع كيماويات، جاء الهجوم بعد ستّة أشهر من تنفيذ إسلاميين إرهابيين هجمات في قلب باريس أودت بحياة 15 شخصاً.

2- جاء قطع رأس أستاذ التاريخ الهجوم الثاني بسكين يُعلن عنه باسم الانتقام للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، منذ أن بدأت الشهر الماضي المحاكمة بشأن جرائم القتل التي سبق ووقعت في مجلّة «شارلي إيبدو» (7 /1/ 2015) وأورثت 12 قتيلاً، و11 جريحاً من صحفيين، ورسامي كاريكاتير، نشروا رسوماً مسيئة للنبي محمد.

 غير أن فرنسا، وبعد سنوات خمس من الهجوم الإرهابي المذكور على مجلة «شارلي إيبدو»، أعلنت رسمياً قبل مباشرة محاكمة المهاجمين، وبالتزامن مع سير العدالة، عن حرية «حق التجريح» بما يتجاوز حقوق الحرية والتعبير. والأنكى أن المجلة أعادت نشر دزينة الصور عينها على غلافها بعنوان: «وجه محمّد»، وهي الصور التي كانت السبب المباشر للهجوم.

3- الأغرب من هذا كلّه، أنّ مجلّة «شارلي إيبدو» وعدت حسبما ذكرت الثلاثاء (20/10/2020) ولمزيد من الإمعان في التحدي والنكاية، بأنها ستعرض على غلافها في نسختها القادمة الرسوم المتحركة التي أورثت، وثوّرث العديد من الخضّات في المجتمع الفرنسي، والأوروبي، والعالمي، تحت عنوان: «الجمهورية المقطوعة».

 ماذا يتوقّع الغرب عموماً، من زلاّت الألسن والتحديات العدائية في الإسلام والمسلمين، واستفزازهم بمقدساتهم سوى نشر الكراهية، والبغضاء، والأحقاد، والمزيد من التعصّب، والتطرّف، وما نشهده من أفعال وردود أفعال تثير عداء المسلمين وتهدّد المسيحيين المشرقيين، وتجذّر الحميّة الثقافية في معاداة الغرب وفي بذر الفتن الطائفية وإذكاء الإرهاب وقطع الرؤوس والتفجيرات ؟

 ما معنى أن يبقى الآخرون محاور شرور في عين الغرب إذا كان النصّ الأوّل مرجعاً للشر، والقتل؟

 لنتذكّر مثلاً، زلة الرئيس الأمريكي جورج بوش بالحروب الصليبية نحو العراق 2003، ومثلها الصور الكاريكاتيرية الدانامركية والنرويجية والفرنسية البشعة، في 2005 و2006 والنتيجة حرق الكنائس، والقنصليات، والسفارات، في دمشق، وبيروت، ولنتذكّر الرسوم المسيئة للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، في خطاب البابا بندكتوس الذي خلّف أرواحاً أزهقت، وكنائس دُمّرت، وطائرة خطفت، وكلها مسائل لم يكن لها من مبرّرٍ لزمانها، أو مكانها، أو إنسانها.

 ليست هذه الاستعادات سوى التذكير بما لا علاقة له بالزلاّت التي تمّ الاعتذار عنها كلّها، وهي لم تحقق لهذا اليم الشاسع المتنامي من المؤمنين ثوراتهم الفكرية المطلوبة، اقتداء بالغرب، بقدر ما تجعل المسائل أكثر تعقيداً، وخطورة، فتورث الانفجارات، والدماء، والانقسامات في الكرة، وخصوصاً في ملاعب الشرق الأوسط، وتسقط هياكل الحكمة.

ليس بهذه البساطة قطع رأس الجمهورية.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"