كيد الشعراء عظيم

22:03 مساء
قراءة دقيقتين



د. حسن مدن

تلقيت تعليقات من أدباء ومثقفين حول موضوع «السرقات الشعرية» عند الأقدمين من العرب، الذي تناولناه قبل يومين، موردين تأكيد الناقد الكبير الدكتور شوقي ضيف على ردّ التهم عن شعراء كبار في تاريخنا الشعري العربي، مثل البحتري وأبوتمام وسواهما، بسرقة ما قاله سواهم، خاصة من السابقين لهم، وفي بعض هذه التعليقات ما يغني الموضوع ويضيء زوايا جديدة فيه.
كان البحتري، على ما أوردنا، حين يأخذ من أبي تمام، يحوّر في مبنى ما أخذه من حيث الموسيقى والأصوات، وفي معناه من حيث التفكير وفلسفة المعاني، وهذا يتسق مع ما استشهد به الشاعر السعودي علي الدميني في قول مفاده بأن «أي نصّ هو مجموعة خراف سابقة مطهوة بشدّة على نار هادئة».
وعلى نحو ليس ببعيد، يورد الأكاديمي العماني محمد المحروقي مجموعة من أقوال الأقدمين، التي تذهب إلى المذهب نفسه، بينها قولهم: «الكلام من الكلام»، وقال عنترة: «هل غادر الشعراء من متردم»، وقال آخر: «ما أرانا نقول إلا معارا/ أو معادا من لفظنا مكرورا»، وقال الجاحظ: «خير المعاني المشترك، والعبرة بتخيّر اللفظ».
ورأى هاني خلف من الكويت أن المعاني عند الشعراء تتشابه حتى وإن اختلفت الألفاظ، وليس أدلّ على ذلك من التشابه بين قول المتنبي: «يُدَفِّنُ بعضنا بعضاً ويمشي/ أواخرنا على هامِ الأوالي»، وقول أبي العلاء المعري: «خَفِّفِ الوطءَ ما أظن أديمَ/ الأرضِ إلا من هذه الأجساد».
لكن كيد الشعراء، إن أرادوا الكيد، عظيم، فمفهوم «السرقة الشعرية» نفسه لا يخلو من الكيدية «ولا يقوم على أسس نقدية جمالية»، كما يذهب إلى ذلك الأديب السوري نوفل نيوف، ولا يُستثنى من ذلك، برأيه، «حتى موقف الشاعر الكبير أبي فراس الحمداني من شعر الشاعر الأكبر، المتنبي، في مجالس سيف الدولة».
لا يكيد الشعراء لبعضهم بعضاً فحسب، بل يمكن أن يكيدوا لمن هم ليسوا من أهل كارهم، على نحو ما فعل الشاعر ابن عبد ربه، الذي كان مقرباً من بلاط أمراء الأندلس، وتسبب في ترحيل العالم الفلكي، مسلم بن أحمد بن أبي عبيدة، عن قرطبة، لأنه قال بكروية الأرض، وهو أمر لم يرق لابن عبدربه الجاهل بالعلوم، حتى وإن كان بارعاً في فن الموشحات، فهجاه بأبيات تحريضية جاء فيها: «وقلت إن جميع الخلق في فلكٍ/ بهم يحيط وفيهم يقسم الأجلا/ والأرض كروية حف السماء بها/ فوقًا وتحتاً وصارت نقطة مثلا/ صيف الجنوب شتاءٌ للشمال بها/ قد صار بينهما هذا وذا دولا».

[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"