درس في الكاريكاتير وأمور أخرى

00:12 صباحا
قراءة دقيقتين


د. حسن مدن

على خلفية تداعيات رسوم الكاريكاتير التي أثارت غضب المسلمين في فرنسا وفي العالم كله، والتي أعادها إلى الواجهة قطع عنق مدرس فرنسي من قبل شاب من أصل شيشاني، يستوقفنا حديث مسجل لرسام الكاريكاتير فيليب جيلاك، البلجيكي المقيم في فرنسا، والذي يعدّ من أشهر الرسامين في فرنسا وأوروبا، وكتبه المصورة تباع بملايين النسخ، يمكن أن نقول إنها تقدّم درساً مهماً للجميع.
قال جيلاك إنه مع أن تكون الحرية مطلقة، بما في ذلك حرية الرسم الساخر، لكن هذه الحرية تقف عندما تبدأ حرية الآخرين، برأيه أنه يمكن السخرية من كل شيء، لكن، بالمقابل، يجب التحلي بمسؤولية، احترام مشاعر الآخرين، وبالأخص أولئك الذين ينتمون لثقافة أو ديانة مختلفتين.
وهو الأمر الذي لم يوله الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون اهتماماً في كلمته التي ألقاها في تأبين الأستاذ القتيل، عندما نادى بحرية السخرية، دون أن يحدد ضوابط لذلك، خاصة في مجتمع متنوع في ثقافات وأديان مواطنيه والمقيمين فيه، كما هي فرنسا اليوم.
أضاف الفنان البلجيكي أيضاً: «رسمت كثيراً من الرسوم حول الديانة الكاثوليكية، لأنها ديانة أجدادي وعائلتي وبلدي، وحين يقولون لي إنك لا ترسم رسوماً حول الإسلام، أقول يجب أن ننتبه جيداً، فأنا لست مطلعاً بما يكفي حول هذه الديانة وما تمثله من ثقافة، لأسمح لنفسي بالسخرية منها. هناك شيء واحد أعتقد أنه لا يجب مقاربته، ألا وهو المقدس لدى المسلمين، بتصوير رسولهم. ليس لديّ الرغبة في إيذاء أغلبية المسلمين، فهم إخوة ومواطنون مثلنا، مسالمون وشجعان، ونعيش في نفس البلد في سلام، فبأي حق أسخر منهم؟ ألأجل أن يقال إن هذه حرية تعبير أقوم بجرحهم بسبّهم في أكثر أمر مقدس بالنسبة لهم؟».
هذا قول رجل، وفنان أيضاً، من أوروبا ذاتها. إن كلامه ليس موجهاً لنا، إنما لبني قومه في فرنسا وأوروبا، بضرورة أن يتحلوا بالحساسية الأخلاقية والحضارية، في التعامل مع الآخرين، خاصة مع المسلمين.
وإذا كان قوله يمثل درساً بليغاً في استيعاب ضوابط العلاقة بين الثقافات والأديان، فإنه، بالنسبة لنا أيضاً، درس في ضرورة التمييز في المواقف والأحكام، فلا ننظر لكل الفرنسيين أو الأوروبيين على إطلاقهم، كخصوم لنا، وبمقدار ما أظهرناه من نصرة لديننا بوجه الإساءات التي تنال منه، علينا أن نظهر رفضنا للتطرف بكافة صوره، من أي جهة أتى، بما في ذلك من بعض المسلمين، وإدانتنا للطريقة البشعة التي قتل بها المدرس الفرنسي.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"