عادي

الإنهاك الوظيفي وغياب التحفيز يصيبان الطبيب بالإحباط

23:10 مساء
قراءة 9 دقائق
الإنهاك الوظيفي

تحقيق: رانيا الغزاوي

بين الحين والآخر يشتكي بعض المرضى من إصابتهم بحالة من الإحباط عند زيارتهم للطبيب، تجعلهم غير راغبين بالعودة إليه مرة أخرى، وقد تصل أحياناً إلى درجة يعزف فيها بعض المرضى عن تناول العلاج، ويرى المرضى أن السبب في ذلك يعود إلى استقبال عدد كبير من المراجعين في العيادات، ما يضطر بعض الأطباء إلى خفض مدة المعاينة والتشخيص التي تصل إلى 5 دقائق، والتي لا تكفي لمناقشة الأعراض والتشخيص من المريض عن تاريخ الشكوى، ووضع تصورات مسبقة للحالة، ومناقشة خطة العلاج، وتتطور الفجوة بين الطبيب والمريض عندما يشعر وكأنه يجلس بمفرده في غرفة مغلقة، في ظل صمت الطبيب وتحديقه المستمر نحو شاشة الكمبيوتر من دون إمهال المريض سوى دقائق قليلة يتحول بعدها إلى مستمع غير قادر على السؤال.

الأطباء أوضحوا أن هناك عوامل قد تؤدي بالطبيب إلى فعل ذلك؛ أهمها: الإنهاك الوظيفي؛ وانعدام التحفيز المادي والمعنوي الذي يصيب الطبيب بالإحباط، إضافة إلى وجود ضغط في أعداد المراجعين؛ ما يضطر الأطباء إلى تخصيص وقت لا يتجاوز ال10 دقائق بين كل حالة يذهب نصفها في تسجيل حالة المريض على النظام الإلكتروني، فلا يتبقى أي وقت إضافي للتشخيص والعلاج، وعلى الرغم من ذلك فأي تقصير متعمد من الطبيب هو خطأ لا يجوز تبريره؛ لأن الطب مهنة إنسانية، وليست مجرد مصدر للرزق؛ ولأنها مهنة إنسانية لا بد من تلبية احتياجات المرضى، وتقديم الدعم النفسي لهم أيضاً.

دورات تعليمية 

الدكتور عادل سعيد سجواني أخصائي طب الأسرة في وزارة الصحة ووقاية المجتمع، عضو الفريق الوطني للتوعية بفيروس «كورونا» المستجد، يقدم تحليلاً لهذه المسألة، ويقول: «بحسب المؤشرات العالمية؛ فإن الإنهاك الوظيفي؛ يعد العامل الوحيد المتسبب في تراخي بعض الأطباء في بعض الأحيان عن أداء مهامهم؛ فالطبيب يتصور أنه بعد فترة دراسة طويلة، سيحظى بامتيازات كبيرة لا يضاهيها مثيل، ثم يصدم بالرواتب والحوافر، ما يشكل له إحباطاً، كما أن طول ساعات العمل؛ يسبب له الإجهاد الجسدي، فالعمل الطبي يتطلب في بعض الأوقات الدوام لفترتين خلال اليوم، إلى جانب قيام البعض منهم بمهام إدارية إلى جانب عملهم الطبي، وقد يقوم في ذات الوقت بتغطية العمل كبديل عن زميل له، ومطالبتهم بأخذ دورات تعليمية مستمرة؛ للحصول على الترخيص».

ويضيف: «هذه الظروف مجتمعة تتسبب في حدوث إنهاك وظيفي للطبيب، والذي سيتم تصنيفه ضمن ظاهرة مرضية في 2022؛ حيث إن العاملين في القطاع الصحي يتعرضون للإنهاك الوظيفي أعلى مرة ونصف المرة من الوظائف الأخرى، ومن علامات الإنهاك الوظيفي أن يكون الطبيب غير مهتم بالمريض الذي أمامه، وهذا ليس بسبب مشكلة في أخلاقه، إنما الظروف السابق ذكرها كفيلة بجعل الطبيب يدخل في حالة من الضغط النفسي الذي يفضي إلى الاكتئاب، وبالتالي يصبح غير مبالٍ بالمرضى، وعندها يريد أن ينهي عمله، ويعود إلى منزله، معتبراً المريض مجرد حالة عابرة، وهذا شعور سيئ وخطر وغير مقبول في مهنة الطب».

بيئة العمل:

ويتابع: لأن الطب تخصص إنساني بالدرجة الأولى، وليس مصدراً للرزق فقط، فالمطلوب من المسؤولين في القطاع الصحي توفير بيئة عمل مناسبة للطبيب، وتقليل الإنهاك الوظيفي، كما أن أشغال الطبيب بالوظائف الإدارية ينهكه، ويؤدي إلى إهمال عمله وتعامله مع المرضى؛ فيجب أن يتفرغ لعمله الطبي.

ويوضح سبب امتعاض بعض المرضى من عدم كفاية وقت التشخيص، قائلاً: «عادة ما يطلب من الطبيب إعطاء 10 دقائق لكل مريض في العيادة، يذهب نصف الوقت منها على الأقل لتسجيل حالة المريض على النظام الإلكتروني بالمستشفى؛ حيث إن كل طبيب مطالب بتسجيل بيانات المرضى عبر الملف الإلكتروني بالمستشفى، فلا يبقى أي وقت مع المريض للتشخيص والعلاج؛ لأن وقت الطبيب يصبح ضيقاً جداً خصوصاً لو كان لديه وظيفة إدارية أخرى؛ فهذا يأتي على حساب المريض الذي يكون في انتظار أن يعرف كل تفاصيل حالته، ومناقشتها باستفاضة مع طبيبه، فالخطأ بأكمله لا يقع فقط على الطبيب قد يكون النظام الإداري والصحي الذي يعمل به الطبيب هو ما دفعه إلى عدم إعطاء المريض المزيد من الوقت؛ لسماع استفساراته.

ويطالب إداراة المستشفيات بعدم تكليف الطبيب بالقيام بمهام إدارية؛ ليتفرغ للمرضى؛ كما يطالب الجهات الصحية المعنية بتوفير خطة جيدة؛ للترقية والسلم الوظيفي، ومن المهم قياس إنتاجية الطبيب وأخذها في الاعتبار.

مهنة إنسانية

ويقول الدكتور سيف درويش أخصائي طب المجتمع والمتحدث الرسمي باسم جمعية الإمارات للصحة العامة: إن مهنة الطب تتطلب حب المهنة قبل ممارستها، ويجب على كل طبيب أن يكون على دراية تامة خلال فترة دراسته، بأنه سيعمل في مهنة عنوانها: التفاني والأخلاق والضمير، وعدم التعامل مع المريض كسلعة؛ بل هو لديه معاناة معينة، وأغلب ما يشكو منه المرضى؛ هو المعاناة النفسية؛ لذا فهم بحاجة إلى دعم الطبيب، ومساندته، وتقديم الخدمة لهم بشكل جيد، ولابد هنا أن نسترجع علاقة الطبيب بالمريض سابقاً؛ حيث كان يتعامل مع المرضى كما يتعامل الأب مع أبنائه، يربت على كتفهم ويطلعهم على حالتهم، ويناقش معهم خطة العلاج وبدائلها، وهذا ما قامت عليه مهنة الطب الإنسانية، وعلى الرغم من أن أساسيات ممارسة المهنة قائمة على علاقة الطبيب بالمريض والتواصل الناجح بينهما، فإن هناك أمثلة قليله لديها تجاوزات غير صحيحة؛ لكنها لا ترتقي إلى أن نطلق عليها ظاهرة، ففي كل وظيفة يوجد من يقوم بواجبه على أتم وجه، وهناك من يقصر في عمله.

ويشير إلى أن المريض له الحق في أخذ الخدمة التي ترضيه، وإن لم يجدها يبحث عن بديل آخر في منشأة أخرى، خصوصاً في ظل وجود التأمين الصحي الذي وفر له هذا الحق، وهنا الطبيب هو الخاسر لسمعته ومهنيته، كما أن الطبيب قد يضر المريض وهو لا يشعر، فعندما يشتكي المريض من أعراض معينه لا يعرف ما تشخيصها، ولا ينجح الطبيب خلال زيارة المريض له بشرح كافة التفاصيل للحالة، فإن المريض سيضطر إلى التوجه؛ لاستسقاء المعلومات من مصادر غير موثوقة؛ كصفحات التواصل الاجتماعي أو محركات البحث على الإنترنت، والتي تكون معلومات في أغلبها من مصدر غير موثوق علمياً، داعياً المراجعين إلى عدم التفريط في حقوقهم بالحصول على خدمة مرضية، والتوجه إلى إدارة تلك المنشأة الطبية، وإطلاعهم على التجربة السيئة التي مروا بها مع أحد الأطباء.

الطب النفسي

وتؤكد الدكتورة عفاف منصور استشارية الطب النفسي في أبوظبي، أن الوضع يختلف في الطب النفسي عن بقية التخصصات الطبية، بما يتعلق برضا المريض، فهو قائم بالأساس على الاستماع للمريض، والإصغاء له بشكل تام، وإعطائه مزيداً من الاهتمام والوقت الإضافي؛ حيث يتم تخصيص ساعة كاملة للمريض عند استقباله للمره الأولى، وفي كل مرة تتم متابعته فيها بعد ذلك أيضاً؛ حيث يفرض هذا التخصص وضعه بطبيعة الحال على أن يتحدث الطبيب للمريض باستفاضة، وأن يستمع لتفاصيله؛ لمعرفة مشكلته النفسية؛ وإيجاد حل مناسب لحالته؛ لذا يتم تحديد عدد المرضى لليوم الواحد؛ وذلك بالتنسيق مع إدارة المستشفى ومواعيد العمل.

وتشير إلى أن المريض يقوم بتسديد ما يراوح بين 400 إلى 800 درهم لعيادات الطب النفسي للجلسة الواحدة؛ كونه لا تتم تغطيتها عبر التأمين خصوصاً في القطاع الخاص، وهذا سبب إضافي يجعل المنشآت الصحية تتنافس في كيفية إرضاء المراجعين والمرضى النفسين، وتقديم خدمات متكاملة وأهمها: إتاحة الوقت الكافي له، واختيار الموعد الذي يناسبه لرؤية الطبيب ضمن جدول المواعيد، ومن دون أن ينتظر خارج العيادة.

وتضيف: بشكل عام فإن وقت الكشف قد يزيد أو يقل وفق مهارة الطبيب، ولا يمكن أن يتم وصف علاج من دون الكشف على المريض، فهو حق للمريض عالمياً، ويعد ذلك تعاقداً ضمنياً بين الطرفين غير مكتوب؛ حيث يدفع المريض ثمن الكشفية؛ ليستمع الطبيب له، ويكشف عليه؛ لكن ما يحدث هو أنه من الممكن أن الطبيب يتمتع بمهارة عالية، فينهي حديثه مع المريض خلال دقيقتين، ويقوم بالفحص في 3 دقائق، ويدون الوصفة في دقيقتين، والكثير من الأطباء تؤهلهم خبرتهم إلى ذلك، وفي بعض الحالات ينعكس الأمر سلباً على المريض، ويقرر عدم التعامل مع الطبيب مرة أخرى.

حالات فردية

وترى الدكتورة زينب الجباس أخصائية طب الأطفال في أبوظبي، أن تقصير بعض الأطباء من وجهة نظر بعض المرضى، يتعلق بنماذج معدودة في المهنة؛ لكنها بالطبع تسيء للبقية، ويجب على المريض عدم التسرع في إطلاق الحكم على الطبيب، وتضيف: قد يكون الطبيب قليل الكلام، وربما يتحدث بشكل قصير ومقتضب، وأغلب المرضى يحتاجون إلى شرح الحالة وأسبابها وعلاجها، وهذا حق للمريض بشكل مؤكد؛ لكن أرى أن وصف الطبيب بالمقصر قد يكون نابعاً من تصور غير صحيح للمريض أو ذويه، فمن خلال عملي صادفت موقفاً مشابهاً كان أحد الأطفال مريضاً وحالته تستدعي التنويم في المستشفى؛ لإجراء الفحوص اللازمة والمتابعة، وكان والده متعسفاً معي بأن طفله ليس بحاجة لذلك، واتهمني بأنني أعمل ذلك لمصلحة المستشفى، وأن الغرض من إبقاء طفله؛ هو مادي فقط للربح، فهنا من غير العدل أن يقع عليّ اللوم، وأنا أؤدي عملي؛ لكن حالة والد الطفل والضغوط التي كان يشعر بها؛ جعلتني أحاول استيعابه وامتصاص غضبه، وفي مواضع أخرى من حق المريض بكل تأكيد رفع شكوى لإدارة المستشفى لو كان هناك أي تقصير فعلي من قبل الطبيب أو في حال أنه لم يمنح حقه من الخدمة الطبية، بعيداً عن التصورات غير الصحيحة التي تصدر عن المرضى وذويهم والتي في الأغلب تكون بفعل القلق والضغوط.

امتعاض المرضى

التقت «الخليج» بعدد من مرتادي العيادات والمستشفيات الذين أبدوا امتعاضهم من معاملة بعض الأطباء، والتي أشعرتهم بالضيق والحرج خلال التردد على العيادات؛ للتطبيب، فتقول نور علاونة: قمت بحجز موعد؛ لزيارة طبيب متخصص في الأنف والأذن والحنجرة؛ حيث كنت أعاني ضيقاً في التنفس، وبعد انتظار ما يزيد على 3 ساعات؛ بسبب اكتظاظ العيادة، استقبلني الطبيب ولم تستغرق مدة المعاينة والاستماع لمشكلتي والأعراض التي أشعر بها أكثر من 4 دقائق، ولم يطرح عليّ أي استفسارات بخصوص حالتي، وعندما سألته عن سبب عدم إجراء معاينة وفحص لي، أخبرني أنه ليس ضمن مجال تخصصه، وأن عليّ الذهاب لطبيب أمراض صدرية.

وتقول دانية الطوبال: واجهت هذه المشكلة في عدد من الأطباء في تخصصات متعددة، يكتفي الطبيب بسماع شكواي، وكتابة قائمة من الأدوية من دون مناقشتي بتفاصيل الأعراض، أو حتى سؤالي عن حالتي الصحية إذا كان لدي أي مرض مزمن، ما يتعارض مع الوصفة التي كتبها لي، ويتفق معها محمود الراوي الذي أخبره طبيبه المعالج أن الحل الأمثل للتخلص من آلام الظهر هو إجراء عملية جراحية، من دون التفكير في بديل آخر كالعلاج الطبيعي أو ما شابه ذلك.

طلب التحاليل

ويروي محسن البلوشي تجربته السيئة، قائلاً: لم يتسن لي إخبار الطبيب أنني راجعت قبله العديد من الأطباء؛ لكن من دون فائدة، ومن دون حل المشكلة التي أعانيها، وأن أتيت إليه بناء على خبرته وشهرته التي يتمتع بها، وللأسف لم يكن منه سوى طلب التحاليل اللازمة، ومقاطعتي عندما أخبرته بإجرائها مسبقاً، بأنها تختلف عن سائرها، كما أنه لم يستمع لحديثي عن العلاجات التي صرفت لي من الأطباء.

ويضيف: أعلم أن تشخيص الطبيب لحالة المريض يأتي من سماعه والفحص السريري، وللأسف أصبح الأطباء لا يستمعون إلينا، وحتى بعد إجراء التحاليل والمراجعة.

ويروي أحمد الهاجري شكواه عندما زار أحد أطباء المسالك البولية، قائلاً: عندما جلست أمام الطبيب لم يلتفت إليّ؛ بل وكان يحدق بشاشة الكمبيوتر أمامه، وبعد ثلاث دقائق قال لي مما تشكو، فأجبته بأنني أعاني مشكلة في المجاري البولية وشرحت له شيئاً من الأعراض ومواضع الألم؛ لكنه لم يستمع لحديثي، وطلب إجراء الفحوصات اللازمة.

د.سالم عوض: حسن الاستقبال والاستماع يولد الثقة بين الطرفين

يوضح الدكتور سالم عوض استشاري أمراض الجهاز الهضمي في أبوظبي، معايير الجودة العالمية المتعلقة بحقوق المرضى، والواجب تطبيقها من قبل جميع الأطباء باختلاف تخصصاتهم، منها أن يلتزم الطبيب بآداب المقابلة الطبية، وبالذات المقابلة الأولى مع مريضه، فهي الانطباع الأول، ويجب أن تتسم بالبشاشة وطلاقة الوجه وحسن استقبال المريض، وأن يحسنَ الاستماع لشكوى مريضه، وأن يعطيه الوقت الكافي؛ لعرض شكواه من دون مقاطعة، وألا ينشغل عنه بالرد على الهاتف أو بالكمبيوتر، ولا شك أن حسنَ استماع الطبيب لمريضه يُؤثرُ في ثقة المريض بطبيبه، وعلى الطبيب أن يحرص على ألا يُشعر مريضه بأنه في عجلةٍ من أمره.

ويضيف: إن العلاقة الطيبة بين الطبيب والمريض مهمة؛ لأنها تزيد من فرص نجاح العلاج، ويكون العلاج أكثر فاعلية إذا ما تواصل الطبيب بأسلوب أفضل مع المريض، كما يتوجب على الطبيب الاستماع لشكوى المريض باهتمام، وإن عدم سماع شكوى المريض، وعدم تخصيص الطبيب الوقت الكافي له، قد يقود الطبيب أحياناً إلى الخطأ في التشخيص، أو بقاء الحالة المرضية على حالها، مما يفقد المريض الثقة بالطبيب.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"