عادي

الحوار في الإسلام.. رقي وتسامح واحترام متبادل

22:35 مساء
قراءة 5 دقائق
1

كل من يقف على آداب الإسلام وأخلاقياته في الحوار، يدرك أن ديننا العظيم يرتقي بأدب الحوار بين الناس، حيث يعلمنا كيف نتحاور بأدب، وكيف نختلف من دون شجار، وكيف نتجنب النزاع الذي ينتهي بنا إلى إفساد علاقات المودة والرحمة، وإهدار فرص التواصل والاتفاق على ما يحقق صالح الدين والوطن.

يرفض الإسلام من دون تردد ما نشاهده كل يوم في حياتنا العامة من مشاجرات مصحوبة بانفعالات، ممزوجة بكلمات وأوصاف قاسية، وأحياناً خارجة عن حدود الأدب واللياقة، كما نرى في حوارات بين بعض الباحثين في المؤتمرات والندوات، حيث نسمع عبارات لا تليق بالعلماء والمفكرين والباحثين.. أما ما يحدث من إسفاف في حوارات الفضائيات كل ليلة فهو أمر يدعو إلى الأسف، حيث نسمع من بعض السياسيين والإعلاميين وأدعياء الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان كل ما لذ وطاب من قبيح القول والاتهامات المتبادلة.

كل هذا وغيره مما نشاهده من إسفاف في الحوار بين الناس، في كل مكان تذهب إليه، يؤكد أننا في حاجة ماسة إلى التأدب بأدب الإسلام الحوار.

بداية يقرر عالم الشريعة الإسلامية د. محمد نجيب عوضين الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة القاهرة حرص الإسلام على الحوار الراقي والتفاهم والتلاقي بين الناس جميعاً، وهذا الحرص لا يعني غياب الاختلاف والتنوع الفكري والثقافي، فالقرآن الكريم وهو دستور حياة المسلمين يقرر أن من طبيعة البشر أن يختلفوا في رؤاهم ومشاربهم ومعتقداتهم وأذواقهم وما يحبون ويكرهون، ولذلك لم يصادر حقهم في الاختلاف، حيث يقول الحق سبحانه: «ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك».

القرآن يعلمنا

ويضيف: إن الاختلاف بين الناس لا ينبغي أبداً أن يكون منطلقاً للصراع، أو مبرراً للشقاق والتنابز بالألقاب، وتبادل الإسفاف والإهانات، كما نرى الآن في حوارات كثير من المسلمين، بل يجب أن يكون هذا الاختلاف وذاك التنوع دافعاً إلى التعارف والتآلف بين الناس من أجل تحقيق ما يصبون إليه من تبادل للمنافع، وتعاون على تحصيل الأهداف الإنسانية والاجتماعية، وإثراء الحياة بكل ما هو نافع ومفيد، والنهوض بالمجتمع فكرياً وثقافياً وحضارياً، وكل من يتدبر نصوص القرآن الكريم التي تتناول أدب الحوار يجد أنها ترسم لوحة جميلة للحوار بين أمم وشعوب الأرض وليس بين المسلمين وحدهم، فالناس جميعاً تربطهم علاقة أخوة في الإنسانية، ويجب أن يتلاقوا ويتفاهموا ويتفقوا على ما يحقق مصالحهم، وذلك رغم ما بينهم من خلافات في العقيدة والعادات والتقاليد والمصالح، وهنا يقول الحق سبحانه: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا»، ولا يمكن أن يتحقق تعارف من دون تلاق وحوار وتفاهم، فالتعارف هو الخطوة الأولى نحو التآلف والتعاون في جميع المجالات.. وإذا كان هذا هو شأن العلاقة بين الأمم والشعوب المختلفة في العقيدة، والتي قد تتصادم مصالحها.

 فما بالنا بالعلاقة بين المسلمين الذين أمرهم قرآنهم بالحوار والتفاهم والتلاقي والتعاون والتضامن والاعتصام بحبل الله المتين؟

«صواب يحتمل الخطأ»

وأول ما حث عليه الإسلام في قضية أدب الحوار، كما يقول د. عوضين، الحرص على أن يكون الحوار بين الطرفين أو الأطراف المتعددة «موضوعياً عقلانياً راقياً»، ولن يتحقق ذلك على أرض الواقع إلا إذا كان هناك احترام متبادل بين المتحاورين، بحيث يحترم كل متحاور وجهة نظر الآخر حتى لو كان رأيه مخالفاً تماماً لفكره.. ولكي يتحقق هذا الاحترام لا بد من أن يقوم الحوار على التسامح واحترام حرية الآخرين. فالخلاف في الرأي وفي الفكر وفي الاعتقاد لا يجوز أن يفسد ما بين الناس من علاقات تعاون ومشاعر مودة ومحبة، وروابط وصلات، ولذلك شاعت على ألسنة العقلاء عبارة: «الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية».

ويقول د. عوضين: إذا كان من حق الإنسان أن يكون له رأيه الخاص ووجهة نظره المستقلة، فعليه أن يعطي هذا الحق ذاته للآخرين، فيحترم آراءهم ويستمع إليهم وهم يمارسون حقهم في الدفاع عن وجهات نظرهم بكل احترام وتقدير، وهنا لا يجوز لإنسان، مهما كان علمه وفكره وثقافته، أن يضيق صدراً بالآراء المخالفة لرأيه، سواء في الأمور الدينية أو أمور الحياة العادية، ولا يجوز لطرف من الأطراف أن يدعي لنفسه امتلاك الحق المطلق، وعلى الجميع أن يتذكر قول الإمام الشافعي وهو يجسد أرقى صور التسامح الفكري واحترام آراء المخالفين: «رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب».

قيمة حضارية

وهنا ينبهنا د. عوضين إلى مقولة شهيرة لعالم كبير هو الشيخ محمد عبده تجسد قدر التسامح في الحوار وتقدير الرأي الآخر، والذي بلغ في الفكر الإسلامي المستنير حداً لا نظير له، حيث قال رحمه الله: «إذا صدر قولٌ من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد يحمل على الإيمان، فلا يجوز حمله على الكفر».

لذلك يجب أن يحرص جميع المسلمين في حواراتهم ومناقشاتهم على التخلق بأخلاق الإسلام، وأن يدرك الجميع أن هذا الدين العظيم لا يقر أن يتحول الحوار إلى أداة للتنازع وتسفيه آراء بعضنا بعضاً.. فالحوار الذي أرسى الإسلام أسسه هدفه الأكبر إثراء الفكر، وترسيخ قيمة التسامح بين الناس، وتمهيد الطريق للتعاون المثمر فيما يعود على جميع الأطراف بالخير.. والحوار بهذه الآداب وتلك الأخلاقيات قيمة حضارية ينبغي الحرص عليها، والتمسك بها، وإشاعتها بين الناس على جميع المستويات.

صور قبيحة

إن واجب العلماء والمفكرين ودعاة الإسلام أن يكونوا قدوة ومثلاً في الحوار، وأن يعلموا الأجيال الجديدة كيف تتحاور من دون شجار، وكيف تختلف في إطار أدب الإسلام وأخلاقياته الرفيعة، وأن يرفضوا المشاهد المؤسفة لحوارات بعض المثقفين والمفكرين، حيث يمارسون إسفافاً في حواراتهم ومناقشاتهم، وكثيراً ما تحدث مشادات عنيفة تخرج بهم عن نطاق الموضوعية، وربما يتطور الأمر إلى تماسك بالأيدي بين الأطراف المختلفة في الرأي، لأن كل جانب يريد فرض رأيه بشتى السبل. ولا يقتصر ذلك على المشتغلين بالسياسة والشأن العام فقط، بل ينسحب على شريحة لا يستهان بها من المشتغلين بالفكر والثقافة بصفة عامة، حيث يصل الأمر في أحيان كثيرة إلى حد الخروج من مناقشة الفكر بالفكر إلى الشتائم والتجريح الشخصي الذي لا صلة له بالنقاش الموضوعي. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على ضحالة في الفكر وقصور في الحجة وفقر في المنطق، وهذا سلوك لا يليق بالإنسان عموماً، ولا يليق بمسلم على وجه الخصوص، حيث أدّبنا الإسلام بأدب الحوار، ولا ينبغي أن نفرط في ذلك.

 ما أحوج المسلمين اليوم إلى التأدب بأدب الإسلام في الحوار ليقضوا على ما بينهم من نزاعات، ويحققوا التقارب والتفاهم بينهم، ويثروا حياتهم الفكرية والسياسية، ويسهموا في حل مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"