عندما تنزف الديمقراطية

23:08 مساء
قراءة 3 دقائق

عاصم عبد الخالق

الخاسر الأكبر في معركة الانتخابات الأمريكية هو أمريكا نفسها، وليس المرشح المهزوم. جاءت الانتخابات لتفاقم أزمات عصيبة، وتنكأ جراحاً غائرة، ألهبها السياسيون والإعلاميون بلا وعي أحياناً، وعن عمد ومع سبق الإصرار والترصد في أحيان أخرى. بدأت الحملة الانتخابية وأمريكا تعاني الانقسام، وانتهت وهي أكثر انقساماً وتفسخاً. لم تعد المشكلة وجود حزبين متنافسين بل شعبين مختلفين.

 تتجلي مظاهر الواقع القاسي والخطير الذي تعيشه الولايات المتحدة، في صورة أمراض اجتماعية وسياسية، لعل أخطرها وباء العنصرية والنمو السرطاني للميليشيات اليمينية المسلحة. خلال الأشهر الأخيرة، وفي ذروة الحملة الانتخابية، بدا واضحاً إلى أي حد تحولت العنصرية إلى كارثة قومية، بعد أن هددت بتفجير المجتمع الأمريكي من الداخل. وبسبب جرائم ارتكبها العنصريون، بمن فيهم رجال الشرطة، اندلعت احتجاجات عارمة ساهمت بدورها في تقويض الاستقرار الاجتماعي.

 لا تقتصر أزمة أمريكا على هذا الوباء، فهناك إحساس عام بالظلم، وعدم المساواة، خاصة في الحقوق الاقتصادية، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات التي تزداد عزلتها وشعورها بالاغتراب، أو أنها خارج سياق «القصة الأمريكية» على حد تعبير يوفال ليفين مدير مركز الدراسات الاجتماعية والثقافية في معهد «أمريكان إنستتيوت». يضاف إلى ذلك غياب الإحساس الجماعي بالتضامن الوطني، وعدم الانتماء، والإحباط، والغضب. ولذلك تزداد معدلات الجريمة والإدمان والانتحار.

 ومن المؤكد أن المعركة الانتخابية كانت كاشفة لهذه الأزمات، لكنها ليست منشئة لها بأي حال من الأحوال، لأن الأعراض قديمة ومتوطنة في النسيج الاجتماعي منذ سنوات بلا مواجهة حقيقية. جانب آخر مهم في الأزمة كشفته الانتخابات هو البعد السياسي، وفي القلب منه تراجع الثقة في الدولة ومؤسساتها.

 ولمركز «بيو» للأبحاث، استطلاع يظهر أن 59% من الأمريكيين غير راضين عن أداء الديمقراطية. في حين لا تزيد هذه النسبة في دولة مجاورة هي كندا على 33%. كما أن 46% فقط يرون أن الدولة تدار لمصلحة الجميع هبوطاً من 65% عام 2002. هناك استطلاع آخر نشرته مجلة «أطلنتك» يظهر أن ربع الأمريكيين فقط يعتبرون أن نظامهم الديمقراطي يزداد قوة، بينما يرى 68% أنه يتجه لمزيد من الضعف.

 تعيد هذه النتائج إلى الأذهان ما تضمنه كتاب مهم أصدره أستاذان في جامعة هارفارد عام 2008 بعنوان «كيف تموت الديمقراطيات» أشار إلى أن النظام الأمريكي ومنذ قيامه استند إلى قاعدتين غير مكتوبتين. الأولى هي التسامح المتبادل، حيث يقبل كل طرف الطرف الآخر باعتباره مشاركاً شرعياً وليس عدواً. الثانية هي ضبط النفس، أي أن يقاوم السياسيون إغراء سيطرتهم على المؤسسات السياسية لتحقيق أكبر فائدة ممكنة. وكما يقول المؤلفان تتآكل الدعامتان منذ سنوات.

 كل ما سبق هو التشخيص أو على الأقل جزء منه. لكن ماذا عن العلاج؟ يشدد البروفيسور ليفين على ضرورة الاعتراف أولاً بأن الأضرار التي لحقت بالمجتمع ليست هامشية بل عميقة وواسعة الانتشار وذات بعد مؤسسي. والحل لن يأتي من أعلى، أي من الرئيس، بل من القاعدة أو المؤسسات المحلية، لأن لديها قدرة أكبر على التواصل والتفاعل مع المواطنين مباشرة.

 الأهم من وجهة نظره، هو أن يعترف كل طرف بأخطائه، ويفهم طبيعة وحجم دوره ومسؤولياته. الإخفاقات التي تعرض لها دونالد ترامب سببها أنه لم يسأل نفسه كيف يجب أن يقوم بدوره كرئيس، ويعيد النظر في حساباته وقراراته التي اعتبرها صائبة على طول الخط. بنفس القدر أخطأ العديد من منتقديه، لأنهم تناسوا مسؤولياتهم كعلماء وصحفيين ومشرِّعين ورجال قانون. وبدلاً من القيام بواجباتهم تحولوا إلى إصلاحيين فوق مسرح سياسي هائج.

 حتى المواطنون العاديون لا يعفيهم ليفين من المسؤولية. كثيرون تخلوا عن دورهم على مستوى الأسرة والجماعة والهيئات الدينية والتعليمية والمهنية والسياسية وغيرها.

 وحتى بعد فوز جو بايدن في الانتخابات فأن هذه الأزمات ستستمر. فلا يوجد حل سريع، ولا يملك أحد عصا سحرية. أمريكا تعاني بشدة وديمقراطيتها تنزف بغزارة وليس هناك من ينقذها.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yxjb6kln