سياسات منتهية الصلاحية

00:21 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاصم عبد الخالق

الانقسام الداخلي الذي تعيشه الولايات المتحدة على المستويين الحزبي والشعبي كان يمكن أن يظل شأناً داخلياً يتابعه العالم بقليل من الاكتراث، لولا أن له انعكاساته الكبيرة والجوهرية على سياستها الخارجية، وهو ما يؤثر سلباً أو إيجاباً في علاقاتها بدول العالم، وفي مصالح وسياسات تلك الدول.

عندما انتخب الرئيس الجمهوري دونالد ترامب ألغى عدداً من الاتفاقيات التي وقعها سلفه الديمقراطي باراك أوباما؛ وفي مقدمتها الاتفاق النووي مع إيران. ثم توالت انسحاباته من اتفاقيات أخرى وقعتها إدارات سابقة بما فيها إدارات جمهورية. بادر أولاً بإلغاء اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادي، ثم انسحب من اتفاقيات باريس للتغير المناخي، ومعاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى مع روسيا.

انسحب كذلك من منظمة الصحة العالمية، وقبلها كان قد انسحب من مجلس حقوق الإنسان، ومنظمة اليونيسكو التابعين للأمم المتحدة، ثم البروتوكول الاختياري لحل النزاعات الملحق بمعاهدة فيينا للعلاقات الدبلوماسية. لم يكتف ترامب بكل هذه الانسحابات؛ بل انقلب على سياسات ثابتة وراسخة التزم بها الرؤساء السابقون وفي مقدمتها عدم الاعتراف بشرعية المستوطنات اليهودية. وكان انقلابه الأكبر بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، والاعتراف بضم الجولان.

مع بداية عهد الرئيس المنتخب جو بايدن يحين الوقت لدورة انقلابات أخرى ستأتي بلا ريب. ومن المرجح أن يتراجع عن الكثير من تلك القرارات، وقد أعلن بالفعل عزمه العودة إلى اتفاقيات باريس وإلى منظمة الصحة العالمية. 

ووعد بفتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن والذي أغلقه ترامب. كما يعتزم إلغاء سياسات سلفه المقيدة للهجرة، ووقف طرد المهاجرين غير الشرعيين، والتراجع عن حظر دخول مواطني بعض الدول الإسلامية.

لا يعنينا تحديد أي السياسات أفضل لأمريكا وللعالم. ولا نسعى لإصدار حكم على الرجلين بإدانة أحدهما وتبرئة الآخر. ما يستوقفنا هو تأثير الانقلابات الجذرية، في السياسات والمواقف والقرارات الأمريكية، على العالم الذي لا شك تنتابه الحيرة بشأن كيفية التعامل مع واشنطن التي تتغير مواقفها مع تغير رؤسائها.

كيف يمكن أن تطمئن أي دولة إلى الاتفاق مع رئيس أمريكي وهي تعرف أن خليفته المنتمي للحزب الآخر لن يتردد في إلغاء ما أقره سلفه. ما فائدة التوصل إلى تفاهم مع واشنطن إذا كانت التزاماتها مثل السلع سريعة العطب لا تزيد صلاحيتها على 8 سنوات؛ أي فترتين رئاسيتين.

ما يفعله الرؤساء الأمريكيون من انقلاب على تعهداتهم، وهي آفة بدأت قبل ترامب بكثير، يؤدي إلى تآكل مصداقية بلادهم وانهيار ثقة العالم فيها. كما أن هذا السلوك يصطدم مع بدهيات وأسس العلاقات الدولية التي تعد أن قائد الدولة يوقع على الالتزامات الدولية باسم بلاده وليس بصفته الحزبية، وبما يعني استمرارية هذه الالتزامات بصرف النظر عن تغير الحكام.

من غير المنطقي أن تطلب أمريكا من العالم أن يتعامل معها باعتبارها دولتين؛ إحداهما ديمقراطية والأخرى جمهورية، وعلى الجميع أن يتوقع ألا تلتزم كل واحدة بما تعهدت به الأخرى. لو كانت المشكلة تتعلق بدولة صغيرة أو هامشية لأمكن الضغط عليها أو تجاهلها؛ لكنها الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة ولذلك فهي تفعل ما تريد وتأمن عاقبة تصرفاتها.

ما لا يفهمه القادة الأمريكيون أن العبث بالسياسية الدولية يلحق ضرراً بالغاً بمصالح العالم ومصالح بلادهم أيضاً؛ لأنها لا يمكن أن تقود نظاماً عالمياً مرتبكاً. ويبدو أنهم لا يعترفون بأهمية إبعاد السياسة الخارجية عن التجاذبات الداخلية والمناورات الحزبية الضيقة.

في كل الأحوال من كان راضياً عن سياسات ترامب، فإن ترامب قد ذهب، ومن تغضبه توجهات بايدن فليس عليه سوى الانتظار حتى يأتي رئيس جمهوري ينقض كل ما فعله.

إنها قواعد اللعبة العبثية التي فرضتها أمريكا على العالم، ولا مفر من التسليم بحكم الأقوى.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y2mavumf