محيّرات اللغة والشعر

00:08 صباحا
قراءة دقيقتين

عبد اللطيف الزبيدي

هل في فن الاستطراد الجاحظي، ما يمكن أن يلهم أساتذة العربية فرصاً للإمتاع والمؤانسة، يفتحون بها آفاقاً لا تفتحها المناهج؟ يجب أن ننصفهم، لأن العلوم التربوية لا تستسيغ بسهولة تحويل الإحساس بجمال العربية إلى مادة تدريس. كما قد يبدو ما نسمّيه فلسفة العربية، تنظيراً زئبقيّاً غرائبيّاً غير علميّ.

من هنا يمكن استغلال فرص الاستطراد، ريثما يظهر مجددون لا يكترثون للتقاليد الجامدة التي أصابت لغتنا بالكساح. وسط الدرس، تنبثق الفرصة فيغتنمها الأستاذ ليزيح الخمار عن طلعة المليحة العربية، في دقائق يحلّق بالدارسين في فضاءات لم يرتادوها، ثم يعود.

نلقي نظرة على ما ورائيات الإيقاعات في الشعر. في الجاهلية لم يكن ثمة أساتذة لغة أو أدب، لا علوم لغوية ولا بحور: الطويل، الرجز، الخفيف، ولا زحافات وعيوب في العروض والقوافي. لكن كيف اختارت العربية، قبل الإسلام بقرون، وفي غياب المناهج من الابتدائية إلى الجامعة، أن يكون شعرها قائماً على التفعيلة الواحدة مثل المتقارب، الكامل، الرمل، أو التفعيلات المركّبة مثل البسيط، المنسرح، الوافر، خلافاً لأغلبية اللغات التي تزن شعرها بالمقطع الصوتي، الذي يسمى القدم في الفرنسية والإنجليزية... لهذا يرى القلم أن تقطيع الشعر لا يمت إلى شعرنا بصلة أو أصالة. بكلمة جازمة: لا تدمّروا أعصاب خلق الله بهذه الفرية المفتراة على ميراثنا الشعري. معيارنا التفعيلة، لا غير. تأملوا جيداً: أوزان المفردات هي ذاتها خاضعة للإيقاع: جنوب بوزن فعول. قارب بوزن فاعل. مستأنس بوزن مستفعل. كتاب بوزن فعال. متساهل بوزن متفاعل. كبد بوزن فَعِل. كرّر أي واحد تجد نفسك تنتقل من وزن صرفي، إلى وزن إيقاعي شعري. هل ظل لديك شك في أن التقطيع أكذوبة تاريخية؟

أبعد من ذلك: أوزان الكلمات تحددت منطقياً قبل مولد الشعر القائم على التفعيلة، فمن كان «ضابط الإيقاع» في أوركسترا موسيقى اللغة والشعر؟ كيف تفسر أن العربية هيأت عشرات وأحياناً مئات من المفردات المنضبطة إيقاعياً وتفعيلياً في حرف واحد من القافية الموحدة؟ كيف فكرت العربية وخططت ونفذت كل ذلك، حتى يجد الشعراء ثم علماء اللغة كل شيء جاهزاً مجاناً، قبل أن يتعلم الناس الألف والباء؟

لزوم ما يلزم: النتيجة الإدهاشية: كيف ظهرت عبقرية العربية قبل ظهور الأهلية للتفكير في العقل العربي؟ أهذا غير جدير بالتدريس؟

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y3amyh2d