عادي

لوسون.. أبطال يرحلون إلى حافة العالم

23:17 مساء
قراءة 3 دقائق
3

القاهرة:  «الخليج»

«سيدني أو الغابة»، هكذا يقول المثل الأسترالي، ومعناه: «كل شيء أو لا شيء»، ولذلك أصبحت الغابة مسرحاً لأحداث القصص وتهويمات الشعراء، لأن «نفسية المجتمع الأسترالي كانت، ولا تزال متأثرة كثيراً بالغابة»، ففي جنباتها كان الأستراليون يعيشون على الزراعة، والرعي، ومن أهم الشعراء والأدباء الذين حفلت أعمالهم بذكر الغابة، وما يدور فيها «بانجو بيترسون» (1864 – 1941)، و«هنري لوسون (1867 – 1922).

يقول أحد النقاد عن هنري لوسون: «كان الاهتمام العاطفي الشديد بالظلم والفقر الذي أعطى لأفضل وأشهر قصائده صفة الانتشار الكاسح، بعيداً جداً عن قصائد لبانجو بيترسون.. إنهما كانا الشارحين المتناقضين للحياة في الريف الأسترالي، ولا تزال كتاباتهما تمثل أشهر أنماط الأدب الأسترالي الأصلي، وقد رأى لوسون الغابة كوطن للجفاف والارتحالات المأساوية، فقد كان أبطال قصصه غالباً من الرجال الذين يهيمون في الأرض من مكان إلى آخر، طلباً للرزق، وهم لا يظنون أنهم سيعيشون لليوم التالي، وكان رعاة بيترسون يقودون قطعانهم في سعادة، بينما رعاة لوسون كانوا يرحلون ربما للأبد بعيداً عن زوجاتهم، ومحبوباتهم، وبين كل منهما نرى الغابة متجسدة.

ولد هنري لوسون في 17 يونيو/ حزيران 1867 في بلدة تقع بالقرب من سيدني، لأب نرويجي كان يعمل نجاراً، وحصل لوسون على قدر لا بأس به من التعليم، ثم أصيب بالصمم عندما بلغ التاسعة من عمره، وقد رافقه هذا الصمم بقية حياته، وكانت الأم انفصلت عن الوالد، وانخرطت في نشاطات الحركة النسائية، وأصدرت مجلة نشر فيها لوسون أول مقطوعة نثرية له، ومن أوائل أعماله التي جلبت له شهرة قصة نشرها عام 1892، إلى جانب قصص الغابة.

كانت حياة لوسون غير مستقرة، فكان ينتقل من بلد إلى بلد بحثاً عن عمل، ومن عمل إلى آخر طلباً للرزق، وعلى الرغم من الأثر السلبي الذي أدى إليه ذلك في حياة لوسون، فإنه اكتسب من هذا الوضع خبرات هائلة، وتجارب مثيرة، صارت معيناً خصباً لقصصه، وأشعاره، حيث استمدت موضوعاتها وشخوصها من هذه التجارب التي عاشها أثناء تنقله في ربوع استراليا، ونيوزيلندا، بحثاً عن عمل، فمع عمله بالكتابة في بعض المجلات والصحف من حين لآخر، نجده يعمل نجاراً، ومرة نقاشاً، ثم عاملاً بخطوط التلغراف.

عايش لوسون أبطال قصصه أثناء بحثه عن عمل، وتنقله من مكان لآخر، وقد صار الريف والغابة بمثابة أرضية مشتركة لمعظم قصصه، بما فيها من ظروف قاسية، وحرمان، كما أن أبطاله تتشابه أحوالهم، وطموحاتهم التي عادة ما تكون بسيطة، لكن حدوثها قد يستحيل وقوعه، فعلى مدار قصصه يرصد تجارب إنسانية استخلصها من خبراته الحياتية، التي كوّنها بتجواله وترحاله في أنحاء أستراليا، ونيوزيلندا، وعاش ما عاشه أبطال قصصه، لذلك نجده قد نذر قلمه للكتابة عنهم، وعرض واقعهم الحافل بالمعاناة، ليلفت الأنظار إلى فئات من الناس تعمل في صمت، وتعيش وتموت في صمت، وقد أكسب صدق الكاتب مع نفسه ،ومع أبطاله، كتاباته حياة، وأحاسيس حقيقية.

ترجم يوسف عبد العزيز مجموعة هنري لوسون القصصية «اتحاد العمال يدفن رجله المتوفى»، وفي قصص هذه المجموعة دعوة للسفر إلى حافة العالم جغرافياً، وإلى عمق القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين تاريخياً، ففي أستراليا نبتت شجرة هذه القصص، وتألقت أغصانها، وهي تصور لنا ملامح الحياة هناك، ناقلة صوراً من الماضي، عن الرعاة الرحل، وما يلاقونه من صعوبات وعوائق، تشعل مشاعرهم بالأسى، والفرح، والحلم، والطموح، وتلقي على خلفية هذا المشهد الإنساني الحميم سهول وجبال ووديان وغابات تلك البقعة، وما تثيره في النفس من أفكار وخيالات.

كما يقول يوسف عبد العزيز: «إذا كان هنري لوسون ينتمي تاريخياً إلى قرن مضى، فإن لنصوصه دهشة يتلقاها القارئ كما لو كان يعيشها مع صاحبها، أو كمن يصوغها معه، فكأننا جميعاً صانعو تلك الرحلة الإبداعية كما شاء لوسون نفسه لقصصه أن تكون».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"