«لعبة الأمم» في القوقاز

00:20 صباحا
قراءة دقيقتين

محمد نورالدين

ليس أوضح مثال على أولوية المصالح في العلاقات الدولية مما جرى في الأزمة الكرباخية على امتداد 44 يوماً.

لا شك في  أن عوامل كثيرة تؤثر في مسار الصراعات والاتفاقيات والحروب بين الدول، من بينها العامل الأيديولوجي الذي يضغط بقوة في سياسات تركيا الخارجية الداعمة للإرهاب بكل أشكاله، مثلاً كما العامل الاقتصادي الذي يحرك الحساسيات التركية تجاه أعدائها، وأيضا التوازنات الإقليمية والدولية.

ومذ بدأت الحرب بين أذربيجان وأرمينيا في 27 سبتمبر/ أيلول الماضي كان الاعتقاد الشائع أن روسيا مهما بلغت خلافاتها مع رئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، سوف تقف إلى جانب يريفان، ولن تسمح بخسارة حليفتها القوقازية.

ولكن مع مضي القتال أسبوعاً خلف آخر كانت موسكو مستعدة لكي تقبل بانتكاسة عسكرية لأرمينيا على يد الجيش الأذري المدعوم من تركيا، وميليشياتها. وفي الأيام الأولى للحرب رفض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الرد على اتصالات باشينيان به. والسبب اتضح للجميع، وهو أن باشينيان كان مقرباً من واشنطن، وربما كان بخلده أن دعم الولايات المتحدة له سيجعله بحماية من عدوته أذربيجان.

كان بإمكان روسيا أن تتدخل لدى أذربيجان، ولروسيا علاقات جيدة مع باكو، ومع رئيسها إلهام علييف، ونائبته مهربان التي هي أيضا زوجته. ولم يكن بوسع باكو الوقوف بوجه بوتين. لكن روسيا فضلت أن تخسر أرمينيا لكي تكسبها من جديد. بمعنى أن تقدم الجيش الأذري لم يكن فقط لقوة فيه، بل لأنه كان يحصل على إيقاع الموافقة الروسية. وإذ كان الأمر يصل إلى حافة سقوط كامل كاراباخ كان باشينيان يقبل بشروط الروس لوقف الحرب، بالشكل الذي جاء عليه اتفاق التاسع من نوفمبر. أي تقسيم كاراباخ إلى منطقة أذرية، وأخرى بحماية الروس مع توكيل مهمة حماية الأمن والسلام إلى قوات روسية خاصة، تنتشر على كامل المعابر، والممرات الحيوية.

وقد نجحت روسيا بالفعل في هدفها وتم التوصل إلى توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار.

السلوك الروسي كان مشابهاً جدا للسلوك الأمريكي لجهة تغليب المصالح. فالولايات المتحدة أيدت ودعمت باشينيان في السلطة، لكن لن ترسل قواتها للدفاع عنه ضد أذربيجان التي تربطها بواشنطن علاقات عسكرية واقتصادية قوية. ولن تقف أمام عودة النفوذ الروسي إلى يريفان إذا كان باشينيان غير قادر على الصمود.

والأمر نفسه ينسحب على إسرائيل التي لم يعن لها شيئاً أن يقيم باشينيان علاقات ديبلوماسية معها، ما دامت أولوياتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية هي مع باكو، وليس مع يريفان. أكثر من ذلك، ترتاح إسرائيل للخسارة الأرمينية وهي التي تعارض اعتبار مجازر العثمانيين ضد الأرمن عام 1915 «إبادة»، باعتبار أن إسرائيل تريد احتكار مصطلح الإبادة، أو الهولوكست لليهود فقط.

وإذا كان من دولة يجب أن تستفيد من دروس التاريخ فهي أرمينيا. فهي تدرك أن القوقاز حديقة خلفية مصيرية لروسيا، وتعرف أن أمريكا لن تفضلها على أذربيجان، وأن إسرائيل لن تهرع لنجدتها على حساب علاقات تل أبيب مع باكو.

 لعبة الأمم في القوقاز يجب أن تكون واضحة لأن للتاريخ والجيوبوليتيك أهمية قصوى في هذا المجال.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"