«اترك يدي يا بني»

00:28 صباحا
قراءة دقيقتين

أذكر أن صحيفة «اليوم السابع» المصرية نشرت، قبل نحو عام ونصف العام، تقريراً كتبه وائل ربيعي عن علاقة طه حسين بالجامعة، استهله بقولٍ على لسانه، بدا فيه أنه يخاطب من يساعده في بلوغ وجهته، كونه ضريراً: «اترك يدي يا بني، فأنا أحفظ الطريق خيراً منك، فها هي عشر درجات للسلم ثم أنعطف يساراً لأستكمل عشراً أخرى، حتى أنعطف يميناً إلى آخر الطريق، فيساراً بواقع 4 خطوات ثم يميناً مرة أخرى، فأجتاز هذه الطرقة الطويلة حتى أدخل غرفة مكتبى لأجلس على آخر مكتب على اليمين بأقصى ركن بالغرفة».
هذه الكلمات، حسب الصحيفة، وجدها صحفي شاب حاول معرفة أقدام طه حسين في أكثر الأماكن قرباً إلى نفسه: كلية الآداب بجامعة القاهرة، التي كان لنا جميعاً شرف أن يكون هو أول عميد مصري لها. وعن الدكتور خيري دومة، رئيس قسم اللغة العربية في الكلية نفسها، نقل كاتب التقرير قوله إن «طه حسين هو روح كلية الآداب: معنى تعددية التخصص وحرية الانتقال والجمع بين العلوم الإنسانية واللغات المختلفة وطرح نظريات العلوم من جذورها».
لم يكن طه حسين هو الوحيد ممن جمعوا بين الحسنين: الجامعة، ودورها التنويري، ولكنه، ودون منازع، أهم رجل في حياتنا الثقافية والأكاديمية اقترن اسمه بالأمرين معاً، فهو بمثابة العلامة أو الراية التي لا تخطئها العين.
بصيرة طه حسين لم تتمثل فقط في مقدرته، وهو الضرير، على بلوغ مكتبه وحيداً دون مساعدة، حافظاً لعدد درجات السلم، ولمرات الانعطاف بين الجهات، وعدد الخطوات، حتى يقطع الطريق الموصلة للكرسي الذي يجلس عليه، وإنما في ما أهمّ من ذلك بكثير، وفي مقدمة ذلك إدراكه لدور الجامعة في بلوغ التنوير المنشود، الذي كرّس حياته وكتبه وكل جهوده من أجل إرساء أسسه.
ليست الجامعة وحدها سبيلاً للتنوير، ولكن هذا التنوير، وإن توفرت له عناصر وممهدات في مجالات أخرى، لا يمكن أن يتحقق إن لم تنهض الجامعة بدورها في ذلك، بصفتها واحدة من أهم الروافع، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، لأي مشروع نهضوي تنويري حقيقي وجاد، لأن بناء العقول المتنورة إنما يتمّ في صفوفها ومدرجات كلياتها والمقررات التي يجب أن تدرس فيها.
لكي تحقق الجامعات مثل هذه المهمة يجب أن يكون لدينا وزراء تربية ورؤساء جامعات من ذات معدن طه حسين، وحين نجول بأبصارنا في واقع تعليمنا وجامعاتنا العربية الراهن، لنرى من هم على رأسها لن نحصد سوى الخيبة.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"