عادي

أحاسيس مسطحة.. وأدب يخلو من المعنى

00:52 صباحا
قراءة 6 دقائق
1

استطلاع: نجاة الفارس 

يؤكد عدد من الكتاب والمثقفين أن عصر التكنولوجيا فائقة الحداثة قربنا من خلال الفضاء الافتراضي، لكنه باعد بيننا في الواقع الحقيقي، نتواصل معاً كثيراً، لكن في غياب روح المشاعر وعمقها، فالمشاعر سطحية والعاطفة باردة والأحاسيس شبه جافة، والإنتاج الأدبي كثير، لكن أغلبه مع الأسف خاوي المعنى.

ويوضحون في استطلاع ل «الخليج»، أن المتتبع لما ينشر على صفحات المواقع الإلكترونية المختلقة يلاحظ غياب القصائد ذات البعد الانفعالي، وتراجع عدد من الأغراض الشعرية التي تمس شغاف النفس البشرية، وربما كان مرد ذلك إلى انسحاب المشاعر الإنسانية أمام سطوة المادة.

يقول الدكتور حسين المجالي أستاذ علم النفس: «نحن نتحدث هنا عن موضوعين.. التكنولوجيا والمشاعر، أما التكنولوجيا الحديثة، التي انعكست بشكل واضح على وسائل التواصل الاجتماعي وتوفر المعرفة الهائلة بين يدي المتابعين فهذه التكنولوجيا يمكن وصفها بأنها حيادية؛ بل إذا أحسنا التعامل معها فهي نعمة عظيمة، لقد قالوا قبل عشر سنوات إن العالم أصبح قرية صغيرة، لكن بعد ظهور هذه التكنولوجيا فائقة السرعة والمتمثلة في وسائل التواصل الاجتماعي، صارت هذه المقولة قديمة واستبدلت بها مقولة: العالم بين يديك.

ويتابع: أما المشاعر فهي أيضاً لم تتغير كالحب والعطف والمودة والرحمة والتعاطف والتسامح وغيرها، هي مشاعر ثابتة كمفهوم، لكن الذي نتج عن هذه التكنولوجيا هو اختلاف عمق هذه المشاعر وضعف التعبير عنها، ونلاحظ طغيان الجانب المادي في الحياة عليها، فالعاطفة في الكلام والدفء في المشاعر انخفض منسوبهما في الكتابة واللقاءات الاجتماعية؛ بل وفي فلسفة الحياة؛ حيث باتت تنزع إلى العزلة والفردية والأنانية.

ويذكر المجالي، أن عصر التكنولوجيا فائقة الحداثة قربنا من خلال الفضاء الافتراضي، لكنه باعد بيننا في الواقع الحقيقي، نتواصل معاً كثيراً، لكن في غياب روح المشاعر وعمقها، صرنا نقرأ كل شيء ولكن اختفى التخصص، فالفرد مثقف في كل شيء، لكنه غير منهمك في تخصصه الحقيقي، والكاتب يتحدث في كل شيء ولم ينهمك في تأليف عميق لقصة أو حتى دروس في الحياة، باختصار، هذه التكنولوجيا بريئة، لكننا لم نوظفها التوظيف الحسن، فغلب الكم على الكيف، والمظهر على الجوهر، فالعلم كثير والعلماء أقل، والكتب كثيرة والقيم منها نادر، والأصوات كثيرة، لكن الفعل قليل، انشغلنا بهذه التكنولوجيا عن روح الحياة وجوهرها، فالمشاعر سطحية والعاطفة باردة والأحاسيس شبه جافة، والإنتاج الأدبي كثير، لكن أغلبه مع الأسف خاوي المعنى.

فن الومضة

  الشاعر طلال سالم يقول: بالنسبة لوسائل التواصل الاجتماعي المختلفة أعتقد أنها بنيت على الكثير من الأسس النفسية، ومن خلال التجارب أدركوا أن الإنسان يدمن كثرة هذه الوسائل واستهلاكه للمحتوى أياً كان هذا المحتوى، وقد أدرك الكتاب والشعراء والأدباء أن هناك تحولاً كبيراً في المجتمع، هذا التحول أسهم في تقليل الدهشة والانتباه لما هو حاصل حتى في النفس البشرية، وبالتالي نحن الآن أقل قدرة على استيعاب الحياة وترك الدفقة الشعورية تمتد امتداداً طويلاً، في السابق مثلاً عندما كنت أكتب قصيدة كنت أعيش الحالة في فترة طويلة جداً، لكن الآن بسبب التشتيت وكثرة الأخبار والتفاعل الموجود من خلال هذه الوسائل أصبحنا لا نستطيع أن نتمهل في الدفقة الشعورية لأنها ستتلاشى بسرعة، وبالتالي نضطر إلى كتابتها بطريقة مختزلة.

 لقد كنت أؤمن وأتحدث دائماً أن هذه الوسائل أثرت في كتابتنا ولم نعد نستطيع أن نقرأ ما هو طويل، حتى الأحاسيس أصبحت مبعثرة في ظل هذا التنافس على لفت الانتباه، لكي نقضي الساعات الطويلة على وسائل التواصل، التي أسهمت في قطع الأواصر الاجتماعية الحقيقية الإنسانية التي نعيشها في منازلنا، وربما مع أصدقائنا، قلما نرى أصدقاء يجلسون على طاولة واحدة في مقهى ويتجاذبون أطراف الحديث، الكل الآن ضائع في وحدانيته بالتفرد في حياته الخاصة التي صنعها له هاتفه النقال، وبالتالي حتى المشاعر التي تحتاج إلى وقت طويل لكي تتجذر لم تعد تترسخ؛ لذلك أؤمن أننا بحاجة إلى أن نعود إلى أنفسنا كثيراً، وأن نبتعد عن حياة الصخب والتكنولوجيا والعجلة السريعة التي تفرضها حتى وسائل التواصل المختلفة في العمل، فالإنسان اليوم بهاتفه النقال يأخذ العمل معه إلى المنزل، ويأخذ المنزل في صحبته إلى العمل، وبالتالي لم تعد حياتنا متناسقة، لكنّ هناك جانباً إيجابياً هو ظهور نوع من الفن الجميل هو فن الومضة، ربما نحتاج إلى الكثير من الدراسات الاجتماعية التي تبحث تأثير كل هذه الوسائل على الإنسان وتأثره بكل ما يحدث حوله.

هواجس

 الدكتور محمد عيسى الحوراني، ناقد وأكاديمي، يقول: «أمام مزاحمة التكنولوجيا للحياة البشرية، ودخولها في شتى جوانب الحياة، يجد الكاتب نفسه مسكوناً بهواجس متعددة، لاسيما بعد انتشار ما يسمى بالأدب الرقمي، والشعر الرقمي، وحوسبة الأدب، بيد أن ذلك كله يبقى عاجزاً عن توجيه البعد الانفعالي، وبث المشاعر والأحاسيس التي هي أرقى مكونات الأدب، وأقوى أركانه.

 إذا كان النص الورقي في طريقه إلى التلاشي، ليحل محله النص الرقمي، فإن تلك الحميمية التي كانت تربط القارئ بالورق آخذة بالتلاشي، وإذا كان الأديب عموماً والشاعر خصوصاً يقف حياً بين جمهوره، فإن الصورة المجردة المحوسبة وإن غمرتها الحركة تبقى مجرد تخييل لا حياة فيه، وبالتالي، فإن النص الأدبي يخسر أهم مقوماته الانفعالية والعاطفية، ومع ذلك يبقى جوهر الأدب قائماً على أركانه، سواء أكان مرسلاً مباشرة أم عبر الوسائط التكنولوجية المختلفة.

وتابع الدكتور الحوراني: على الرغم من كل ذلك، فلا أخشى على الأدب من الذوبان والانصهار في بوتقة التكنولوجيا، فنحن نرى المتنبي يمثُل أمامنا حياً بشعره ذي الجمال الأخاذ، والعواطف الجياشة، وسواء أطل علينا عبر الأجهزة أم عبر الورق لا فرق، إلا عند جيلنا الذي اعتاد رائحة الورق، ولكن ما أخشاه هو فساد الذائقة عبر ما تزخر به وسائل الاتصال التكنولوجية من غث وركيك يدعى أنه أدب، وينصب بعض متداوليه أنفسهم على أنهم أدباء كبار، ولا يخفى ما نراه على صفحات (الفيسبوك) وغيرها من المواقع من ادعاءات مدعي الأدب وهو منهم براء، ولعل المتتبع لما ينشر على صفحات المواقع الإلكترونية المختلفة لا يعثر على الكثير من القصائد ذات البعد الانفعالي، ويلاحظ غياب عدد من الأغراض الشعرية التي تمس شغاف النفس البشرية، وربما كان مرد ذلك إلى انسحاب كثير من المشاعر الإنسانية أمام سطوة المادة، وأتمتة المشاعر، والأنكى من كل أمر، محاولة البعض لجعل بعض الروبوتات وسائط استشعار عاطفي، لدرجة أنني سمعت عن محاولات شعرية حاسوبية، وذلك بإدخال مجموعة من البيانات والتعليمات للحاسوب، ليقوم بدوره بتشكيلها على النحو الذي يريده مدخل البيانات، لكن كل ذلك يبقى عاجزاً عن خلق الإحساس الذي هو جوهر الشعر كما هو جوهر الإنسان.

جمالية غائبة

الروائي نبيل الحريبي الكثيري، يقول: عندما ننشغل بالماديات والكماليات التي أصبحت تشكل همنا الأول نفقد أحاسيسنا ومشاعرنا تدريجياً، وذلك أمر بديهي في ظل التطور الخيالي في الأدوات التكنولوجية التي يزداد اعتمادنا عليها لتسيير شؤون حياتنا، وأبسط مثال على ذلك عندما كان أحدنا يبحث عن الوصول إلى مكان معين يتصل بشخصين أو ثلاثة من أهله أو أصدقائه؛ لمساعدته وإرشاده لطريقة الوصول، وفي ذلك نوع من التواصل الإنساني الجميل، أما الآن فكل ما عليه أن يضغط على تطبيق خريطة في هاتفه المحمول ليدله على الطريق. 

ويلفت الكثيري إلى أن أدوات التعبير الأدبي المقروء والمشاهد والمسموع لم يعد لها تلك المسحة الجمالية والمشاعر الإنسانية التي كانت تجعلنا نتفاعل معها بكل مشاعرنا وجوارحنا؛ حيث أصاب الجمود معظم الكتاب، والأمر ينطبق على أغلبية الشعراء والروائيين.

لم نعد نهتم كثيراً بسبر أغوار المشاعر الإنسانية ووصف المكان والزمان في كتاباتنا، ولم يعد للرومانسية الشعرية وقصص الحب في الروايات أهمية لدى الكثيرين، وأصبح الحدث يشكل 90 في المئة من الإنتاج الشعري والروائي، وحتى في مجال المقالات والتحقيقات الصحفية التي اتجهت للاهتمام بالشكل، تاركة الهم الأدبي من دون اكتراث، وإن حاولت الصحافة أن تلتفت إلى الأدب فعبر موضوعات تكتفي بقال الشاعر فلان وقالت الأديبة فلانة، دون تحليل أو صبغ لمسة جمالية على أقوالهم؛ لذلك يجب أن يعود الصحفي لمتابعة الندوات والتجمعات الأدبية والكتابة عنها وعن الإصدارات بأحاسيس ومشاعر صادقة تزداد تألقاً مع الممارسة والاستمرارية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"