المجتمعات العربية والعلمانية

00:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السويجي

الحديث عن العلمانية في المجتمعات العربية كالسير في أرض مزروعة بالألغام، لا يعلم السائر الوقت الذي ينفجر فيه لغم سيؤدي بالضرورة إلى انفجار بقية الألغام، فيختلط الحابل بالنابل، وتظهر الأفكار الموضوعية والمتشددة والوسطية، ويدلي كل ذي لسان بدلوه فينقل ما سمع أو قرأ أو شاهد أو استنتج. 

وبما أن المجتمعات تحيا تحت سطوة وحركة وسائل التواصل الاجتماعي المنفلتة في الأصل، فإنها ستشهد حرباً شرسة تتبادل فيها الأطراف التهم والأوصاف والنعوت والأحكام التي تصل إلى التكفير والإلحاد والخيانة الوطنية والمجتمعية، لكن هذه الخشية من تفجير الجدل لا تعني عدم وجود حوارات وطروحات وتوجهات في المجتمعات العربية، ترغب أو تتوق إلى تحول الأنظمة من نهجها المعاش الحاضر إلى منهج العلمانية المستقبلي، وقد يكون أصحاب هذه التوجهات من المثقفين أو المفكرين أو الدارسين الذين يتابعون تنامي الأزمات جراء الصراعات الدينية والطائفية والمذهبية، وانعكاسها على المجتمعات سلباً، أو قد يكون أصحابها من الفئة التي تابعت ما حصل في دول شهدت تجربة حكم المتشددين وممارساتهم الاستبدادية على المجتمعات التي حكموها؛ بحيث أعادوها إلى عصور التخلف والجهل، لاسيما في التعامل مع المرأة والطفل، ومع الإنسان المختلف معهم في الدين والمذهب، وقد يكون أصحاب التوجه العلماني ممّن يراقبون مستويات التنمية في المجتمعات، وخاصة التنمية الاجتماعية والفكرية والثقافية، وجدوها تراوح في مكانها بسبب تحكّم السياسيين أو رجال الدين بالبرامج والرؤى والمبادرات، وباتوا يطالبون بمؤسسات مدنية يديرها مدنيون، وقد يكون أصحاب هذا التوجه من علماء الاجتماع والنفس الذين يرصدون المشاكل المجتمعية جراء القيود على الأفراد، التي تؤدي إلى تقييد حياتهم ومصادرة خياراتهم في الزواج وبناء الأسرة، ولاحظوا الدعوات، على سبيل المثال، إلى إقرار الزواج المدني.

كتب كثيرون في العلمانية وقدموا تعريفات كثيرة ابتداء من عصر النهضة حتى يومنا هذا، واتفقوا جميعاً على خط عريض يحدد ملمح العَلمانية وهو: فصل الدين عن الدولة، أي عدم السماح لرجال الدين بفرض تعاليمهم فرضاً على الناس وعدم التدخل في السياسة، وعدم تجييش الناس مذهبياً أو طائفياً لتحقيق أهداف سياسية، وترك الاختصاصيين يقودون العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي وبناء المؤسسات المدنية التي تعطي حرية الاختيار للفرد ومنها حرية المعتقد والتفكر في الدنيا والآخرة، ويستشهد هؤلاء الاختصاصيون بالفيلسوف ابن رشد كأول من أشار إلى فصل الدين عن الدولة وترجيح حرية العقل مقابل الشريعة.

لقد تزايدت الدعوات للعلمانية في العقدين الأخيرين اللذين شهدا انفجاراً في المعرفة والمعلوماتية، كما شهدا في المقابل ازدهاراً للمنظمات المتطرفة التي اصطدمت بالتنوع العرقي والديني الكبير في المجتمعات العربية وواجهته بالعنف والتكفير اللذَيْن أديا إلى أنهار من الدماء والقتل والتهجير والتشريد. وترى هذه الدعوات أن منهج العلمانية سيجنب المجتمعات التناحر والصراعات ويوجّه جهودها نحو البناء الإنساني.

ولا شك في أن عملية الانتقال من الأنظمة الحالية إلى النظام العلماني هي عملية إعادة تأسيس الدولة من جديد، بمؤسساتها وقوانينها ودساتيرها والانتقال إلى المجتمع المدني، فعلى سبيل المثال، تنص معظم الدساتير العربية على أن دين الدولة الإسلام، وقوانينها مستمدة من الشريعة الإسلامية، وهذه القوانين هي التي تنظم حياة الناس وتحكم بينهم في الزواج والطلاق والحضانة والإرث وموضوعات أخرى، وبهذا سيكون الانتقال عسيراً وسيتصدى له البعض وسيحرضون الناس على التظاهر والاعتصام وقد يتهمون الآخرين بإفساد المجتمعات والتخلي عن الدين. وبغض النظر عن الجدل في هذا المحور، إلا أننا نجد ضرورة حياتية وثقافية واجتماعية لإعادة الاعتبار إلى المؤسسة المدنية بما تكفل عدم ممارسة القوة والبطش على الناس وإجبارهم على اعتناق تعاليم ومذاهب وعقائد تخلق التفرقة بينهم، مع المحافظة على أهمية المنظومة الأخلاقية ووضع قوانين رادعة تضمن تحقيق السلم بين أطياف المجتمع الواحد. أما الإبقاء على نظام يسمح لجماعات في نشر التطرف والمذهبية والخزعبلات واستغلال إيمانهم لتحقيق مآرب سياسية، لن يؤدي إلا إلى المزيد من التخلف والتراجع والفساد وتدمير وحدة الدولة. ويظل الإسلام المعتدل الدرع الواقي للفرد والدولة.. والله من وراء القصد.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"