اتفاق الضرورة بين باكو ويريفان

00:20 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.فايز رشيد

من الضروري التأكيد، أنّ المشكلة القوميّة كانت قائمة زمن ازدهار الاتحاد السوفييتي بجمهورياته ال16؛ وذلك على الرغم من ادّعاء السلطات السوفييتية أنها استطاعت حلّ هذه المشكلة؛ لكن ذلك كان يناقض الواقع؛ فالدارس في ذلك العهد في إحدى الجمهوريات السوفييتية، كما الزائر لها (لفترة زمنية طويلة نسبياً) كان يلحظ عمق الإحساس بالشعور القومي لدى أبناء هذه القوميات، وبخاصة في جمهوريات البلطيق الثلاث: لاتفيا، ليتوانيا وإستونيا. 

بعد تفكك الاتحاد السوفييتي كان من الطبيعي ظهور التناقضات القومية بين الجمهوريات والأقليات القومية في داخلها، كتعبير واضح عن التناقضات القومية التي كانت تتفاقم بين القوميات العديدة تاريخياً التي شكّلت الاتحاد السوفييتي، وقد وصلت حدّتها في العديد من الحالات إلى الصراع المسلّح، وأكبر تعبير عن هذه الحالة، الصراع الأرميني - الأذري بين جمهوريتي أرمينيا وأذربيجان على المنطقة المتنازع عليها، التي تُسمى «ناجورنو كاراباخ»، والتي تشكّل ملكيتها أصل الحرب بين الجمهوريتين.

نعم، تعود جذور هذا الصراع إلى الأحداث التي تلت الحرب العالمية الأولى. قبل فترة قصيرة من استسلام الإمبراطورية العثمانية في الحرب، التي أدّت إلى انهيار الإمبراطورية الروسية في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917، التي سيطر عليها البلاشفة (بقيادة لينين)؛ في ذلك العام، أعلنت الدول الثلاث المشكلة للقوقاز: أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، عن إنشاء الاتحاد «الترانسقوقازي» الذي تفكك بعد ثلاثة أشهر فقط من تشكيله؛ بسبب الحرب التي جرت حينها بين أرمينيا وأذربيجان في ثلاث مناطق محددة: ناكشيفان وزانغيزور (مقاطعة سيون الأرمينية في الوقت الحالي) وكاراباخ.

انضمت الجمهوريتان إلى الاتحاد السوفييتي بعد تشكيله عام 1922؛ من خلال مؤتمر تم عقده لمندوبين من جمهوريات روسيا الاتحادية، أوكرانيا وبيلا روسيا وجمهوريات القوقاز. اعتمد المندوبون معاهدة إنشاء الاتحاد السوفييتي، وتم تشكيل دستور «اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية» عام 1924. بالمعنى النظري شكّل هذا الانضمام القوقازي للاتحاد السوفييتي إخفاءً نظرياً للنزاع بين كلّ من أرمينيا وأذربيجان على المناطق الحدودية الثلاث، ومن ضمنها منطقة «ناجورنو كاراباخ»، التي شهدت هجرة للسكان منها وإليها، من كلّ من أرمينيا وأذربيجان. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991؛ تجدّد الصراع، الذي تطوّر إلى حروب عديدة جرت بينهما.

لعبت روسيا دوراً كبيراً على الدوام في إنهاء الحروب بين الجمهوريتين على ملكية «ناجورنو كارباخ»، وفي الحرب الأخيرة بين البلدين تدخلّت موسكو سياسياً، وتركيا تدخلت عسكرياً مباشرة وعبر إرسال ميليشيات استجلبتها من سوريا وليبيا. بالفعل أشرفت روسيا على محادثات للطرفين، وتم التوصل إلى اتفاق؛ ينصّ على وقف لإطلاق النار، وإنهاء الحرب بين الجانبين؛ لكن حقيقة ما حصل أن الأذريين سيّروا مسيرات احتفالية في جميع مدن أذربيجان، معتبرين أنهم انتصروا في الحرب. إن ما حصل هو اتفاق ثلاثي أرميني أذري روسي، من المفترض أن ينهي 44 يوماً من حرب دموية غير مسبوقة جرت في المنطقة في صراع مستمر منذ نحو أربعة عقود. والاتفاق ينص على نشر قوات حفظ سلام روسية، على طول خط وقف إطلاق النار في كاراباخ.

حصيلة القول: إن الاتفاق بين باكو ويريفان؛ هو اتفاق الضرورة، وقد صيغ - كما هي العادة في الاتفاقات الدولية - بلغة دبلوماسية غير جارحة؛ لكن هل ينهي الصراع الطويل القائم بين الجانبين؟

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية، وهو من الخبراء في الصراع الفلسطيني العربي-"الإسرائيلي". إضافة إلى أنه روائي وكاتب قصة قصيرة يمتلك 34 مؤلفاً مطبوعاً في السياسة والرواية والقصة القصيرة والشعر وأدب الرحلة. والمفارقة أنه طبيب يزاول مهنته إلى يومنا هذا

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y2chj5cy