الضحايا الثانويون في الطوارئ والأزمات

22:42 مساء
قراءة 4 دقائق
ذ

د. جمعة سعيد الصواية النعيمي *

ينصرف تركيزنا وبدون أدنى تكلف عند الحديث عن الطوارئ والأزمات والكوارث تجاه حياة وممتلكات الضحايا المتعرضين لها، ولا ضير في ذلك على الإطلاق باعتبار العنصر البشري هو الأهم دائماً. إلا أن من نستهدفهم في مقالنا هم ضحايا غير تقليديين من البشر كذلك، فعادة ما يتم إغفالهم كونهم من يعول عليهم في الأصل لتقديم العون للآخرين.

إنهم المستجيبون الأوائل في الطوارئ والأزمات بما فيهم المسعفون الطبيون وأطباء وممرضو الطوارئ في المستشفيات ورجال الإطفاء والبحث والإنقاذ.... إلخ، حيث عرفتهم أدبيات وأبحاث إدارة الطوارئ والأزمات، لاسيما دراسات علم النفس ب «الضحايا الثانويين». فهل فكرنا يوماً فيما تتعرض له هذه الفئة من عناء وإرهاق وجهد جراء ما تقوم به من عمل مضنٍ وجبار من أجل إنقاذ حياة الآخرين؟! ولا نقصد هنا الجهد الجسماني فقط، بل الآثار والتبعات النفسية التي يتعرضون لها وتصاحبهم أعراضها، بحيث تلقي بظلالها على صحتهم النفسية وتنعكس بالتالي على أدائهم في العمل وسلوكياتهم مع أنفسهم وأهلهم وذويهم.

وباعتبار هذه الفئة هي خط الدفاع الأول، يحتم عليهم الواجب القيام بأدوار مختلفة عند استجابتهم للطوارئ والأزمات؛ فيتعامل المسعفون الطبيون ورجال الإنقاذ والإطفاء مثلاً مع ضحايا بمظاهر مختلفة كالأشلاء والأجساد المحرقة والمحشورين ومن يلفظ أنفاسه الأخيرة أمامهم ولا يستطيعون الوصول إليه بسبب الأنقاض.... إلخ. كما يتعامل الأطباء والممرضون سواء في أقسام الطوارئ والأجنحة أو غرف العناية الفائقة مع ضحايا الطوارئ والأزمات والكوارث باعتبارها حالات حرجة وأحياناً تستدعي العناية المركزة والدؤوبة.

ونسلط الضوء على ثلاثة أعراض نفسية تهدد المستجيبين الأوائل أثناء وبعد قيامهم بمهامهم وواجباتهم تجاه ضحايا الطوارئ والأزمات وهي اضطرابات ما بعد الأزمة والتعب الناتج عن الإسراف العاطفي، والإنهاك.

- اضطرابات ما بعد الأزمة (PTSD)

تكمن اضطرابات ما بعد الأزمة في طبيعة عمل المستجيب الأول، وبعد تعرضه لمواقف ومشاهد قاسية أثناء تقديمه العون السريع والميداني لضحايا الأزمات والكوارث بما في ذلك إنقاذ المحشورين وانتشال البشر أثناء انهيار المباني وإنقاذ الغارقين وإيجاد المفقودين والتعامل مع الأجساد المحرقة... إلخ. وتظهر الأعراض بعد انتهاء الحدث على أشكال مختلفة كاستعادة مشهد الحدث نفسه باستمرار أثناء اليقظة وربما كوابيس ليلية أوالعزلة الاجتماعية أو تجنب الذهاب لأماكن الانخراط في أحاديث ونشاطات تذكر بالحدث أو سرعة الاهتياج والغضب أو صعوبة النوم أو الشعور المستمر بالخوف أو صعوبة التركيز أو المبالغة في الجفول أثناء الحوار وأحياناً الشعور باليأس المطلق من الحياة أو السلوك العدواني تجاه الآخرين، بل حتى تجاه النفس إلى حد الإقدام على الانتحار أحياناً. وتنبؤ الدراسات بأنه من أجل تشخيص هذه الحالة، عادة ما تكتمل الأعراض في مدة أقلها شهر واحد، إلا أن المعايير الكاملة للتشخيص تكتمل في العادة خلال فترة زمنية أقلها ستة أشهر.

- التعب الناتج عن الإسراف العاطفي (Compassion Fatigue)

عرف مصطلح التعب الناتج عن الإسراف العاطفي في سنة 1995 بواسطة الدكتور تشارلز فيجلي المتخصص في مجال الصحة العقلية للكوارث، والذي يجادل ثقة بأن الذين يقدمون العون للآخرين المتضررين عضوياً أو نفسياً ويتعاطفون معهم بشكل مفرط أو غير متزن قد يكونون هم الآخرين عرضة لصدمات نفسية. ويقول فيجلي بأن «العواطف الزائدة عن الحد تجاه الآخرين مضرّة». وفي هذا السياق، تذكر كريستا ريه 2019، بعض الأعراض المصاحبة للمصاب بالإسراف العاطفي مثل صعوبة العمل حسب الروتين اليومي والإرهاق أثناء الاستيقاظ من النوم والشعور بالإنتاج البسيط مقابل العمل الكثير وعدم القدرة على اتخاذ القرار والشعور بالقنوط أو اليأس وانعدام القدرة على موازنة شؤون الحياة والعزلة الاجتماعية.

- الإنهاك (Burnout)

يرى مويير ورفاقه (2017) الإنهاك بأنها حالة متقدمة جداً من الإرهاق العاطفي والتشاؤم وعدم الفاعلية في بيئة العمل والسلبية المزمنة نتيجة لظروف العمل المجهدة. وقد برزت خلال العقد السابق تفسيرات أخرى للإنهاك، لعل أبرزها ما اقترحته كريستينا ماسلاش سنة 2001، حيث تجادل بأنه يتم تصنيف الإنهاك يتم من خلال ثلاثة أبعاد وهي:

- نضوب الموارد العاطفية للتعامل مع الآخرين.

- مشاعر سلبية ومواقف ساخرة تجاه تقديم الرعاية والعون للآخرين.

- ميول شخصي وسلبي تجاه الإنجاز أثناء العمل.

وبدأ التعرف على ظاهرة الإنهاك في سبعينات القرن العشرين وما زال التعامل معها قائماً حتى هذا اليوم وخاصة في بيئة العمل. يوضح شوفيلي ورفاقه 2009 بأنه يتم تداول مصطلح الإنهاك بوفرة في أدبيات علم دراسة السلوك (علم النفس) والسلوك المؤسسي. وتظهر أعراض الإنهاك على الموظف في بيئة العمل بمظاهر قام رزمان ورفاقه 2018 بإبرازها تتضمن تراجع مستوى الكفاءة والطاقة والدافعية. إضافة إلى الشعور بالإحباط وزيادة الأخطاء والصداع والإرهاق وقضاء مزيد من الوقت في العمل مقابل إنتاج قليل، حيث تصنيف هذه الأعراض إلى جسمانية ونفسية وسلوكية. وتضيف ألوها ورفاقها 2006، بأنه كلما تقدم المرء في العمر، أصبح أكثر عرضة لحالة الإنهاك.

لم يكن طرحنا أعلاه مدعاة للقول بأن المستجيبين الأوائل في الطوارئ والأزمات هم ضحية لا محالة للأعراض السابقة، حيث خلقنا الله بقدرات وموارد ذاتية وردود أفعال متباينة تجاه المؤثرات الخارجية بكافة أشكالها وأحجامها، بل إن القصد هو الإيضاح بأن هذه الفئة عرضة لما سبق بسبب طبيعة ومتطلبات عملها.

وفي الختام، نوصي متخذي القرار في مؤسسات الاستجابة للطوارئ والأزمات أن يعوا بأن الخطر على طواقمهم لا يكمن في الأذى الجسدي فقط، بل يمكن أن يطال صحتهم النفسية كذلك. فيجب اتخاذ حزمة من السياسات والقرارات والإجراءات لحماية طواقم الاستجابة وتأهيلها للتصدي للضغوطات النفسية التي يواجهونها خلال أدائهم لمهامهم الشاقة والبطولية من أجل إنقاذ حياة الآخرين.

إن الانتقاء السليم وفحص هذه الطواقم قبل التوظيف وتدريبهم وتثقيفهم النفسي وإقرار برامج الترفيه وإدارة الإجهاد النفسي الفردي والجماعي لهم في العمل وقبل وقوع الحوادث يشكل أهمية كبيرة، فالتأهيل النفسي للمستجيبين الأوائل ليس بأقل أهمية مقارنة بتأهيلهم المهني؛ فهم فئة تستحق جل التقدير والاحترام.

* مستشار أكاديمي وأستاذ جامعي

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yxbjdjas