صفر انبعاثات أم تحييد الكربون.. والمناخ؟

22:36 مساء
قراءة 3 دقائق
آراء وتحليلات
آراء وتحليلات

د. محمد الصياد *

ماذا تعني كل التعهدات المختلفة «صافي صفر انبعاثات»، «محايدة الكربون»، «الكربون بالسالب»، سواء تلك التي قدمتها الدول الأعضاء في اتفاق باريس للمناخ لسكرتارية الأمم المتحدة المعنية بموضوع المناخ، أو التي عرضتها، أو أعلنتها الشركات العالمية، والتي عرضنا لبعض منها كانت أعلنتها كبريات شركات التكنولوجيا والطاقة العالمية؟ وكيف يمكن التفريق بينها، أو مقارنتها؟ هل الأمر يتعلق باختلاف التسميات والمصطلحات فقط من دون المساس بالهدف الجوهري، وهو التخفيف، أي خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الستة المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، أم أنها مصطلحات لكل منها مدلوله التطبيقي المختلف عن الآخر؟

والسؤال الثاني الذي لا يقل أهمية، هو: ولماذا اللجوء لمثل هذه التعابير المربكة المنطوية على نوع من أنواع «الغموض البديع» الذي قد يفيد التضليل، على النقيض من كل تأكيدات اتفاق باريس للمناخ، في معظم نصوص مواده، على الشفافية، والإفصاح الخالي من اللبس؟

من حيث المبدأ، فإن مصطلح ومغزى «صافي صفر انبعاثات»، لا يختلف كثيراً عن مصطلح ومغزى «حياد الكربون»؛ فالمصطلحان يهدفان إلى تحييد الكربون. إلا أن هنالك فارقاً أساسياً واحداً بينهما، فالثاني (حياد الكربون) يتعلق بالعمل على المستوى الوطني لتحييد الكربون، بما في ذلك استخدام آلية التعويضات. بمعنى، أن بعض الانبعاثات ستتواصل عملية توليدها مع استمرار أعمال القطاعات والأنشطة المسببة لها، لكنه سوف يتم تعويض، أو موازنة هذه الانبعاثات في مكان آخر، عبر غرس الأشجار مثلاً، أو عن طريق دعم مشروع لخفض الكربون، أو شراء تعويضات، أو أرصدة الكربون، ما يجعل صافي الانبعاثات الإجمالية، في هذه الحالة، صفراً. وبذا، فإنه بموجب «حياد الكربون»، يُسمح للشركات بقياس كمية الكربون التي تطلقها لكي تقوم بتعويضها عن طريق تقليل الانبعاثات، أو إزالة الكربون؛ ويمكنها فعل ذلك عبر شراء أرصدة الكربون لتعويض الفرق؛ ما يجعل هذه المقاربة جذابة للشركات التي تنتج الكثير من الانبعاثات.

أما مصطلح صافي الانبعاثات الصفرية، فليس له الدلالة نفسها، ذلك أنه يتعلق بتحييد الكربون وحسب، من دون التعويض؛ على الرغم من أنه من الناحية النظرية يمكن أن يتم تحقيقه عن طريق التعويض. وصافي صفر انبعاثات، يعني عدم إنتاج أي انبعاثات كربونية من قبل أي منتج سلعة، أو خدمة. على سبيل المثال يمكن توفير كهرباء صفرية الانبعاثات الكربونية من خلال مورد طاقة متجددة نسبته 100%. بما يعني، تبسيطاً، أن أي كمية من ثاني أوكسيد الكربون تُطلق في الغلاف الجوي من أنشطة الشركة، يجب أن تتم موازنتها بكمية مكافئة تتعين إزالتها. أما جعل حجم انبعاثات الكربون بالسالب، وهي الخطوة التالية التي تعقب حياد الكربون، بحيث يصبح الكربون بموجبها سالباً، فهذا يتطلب من الشركة إزالة ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي أكثر مما تطلق فيه من انبعاثات. ذلك أن مقاربة «تحييد الكربون»، تُعطي الأولوية لخفض الانبعاثات في المصدر، ومن بعد يتم تعويض الانبعاثات المتبقية عن طريق تطوير طاقة امتصاص الكربون في مصبات الكربون الطبيعية، بما يفضي إلى ما تسمى «الانبعاثات السلبية» التي يتم التوصل إليها من خلال امتصاص الغابات والتربة، أو الأراضي الرطبة، لانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون.

هي إذاً، فكرة بسيطة تلك التي تنادي بها مقاربة «حياد الكربون» والتي تبنتها قطاعات واسعة من وحدات الاقتصاد العالمي، من قطاع صناعة الطلاء، إلى قطاع الثروة الحيوانية إلى البنوك والمطورين العقاريين، ومفادها أنه يجب أن يتوازن مجموع كل غازات الدفيئة التي تدخلها، وتخرجها هذه الجهات، من الغلاف الجوي، ليكون الحاصل صفراً.

واللافت أنه حين يتعلق الأمر بالاستدامة وتغير المناخ، سنجد أن هنالك العديد من «الكلمات الطنانة»، والعبارات المستخدمة لوصف المنظمات، أو المباني بالكفاءة العالية في استخدام الطاقة، واستخدام مصادر الطاقة المتجددة لتقليل الانبعاثات، أو القضاء عليها. وأكثر هذه المصطلحات شيوعا ًهو مصطلح «صافي الانبعاثات الصفرية» الذي تم تعميمه على نطاق واسع منذ اتفاقية باريس في عام 2015، حيث قامت العديد من الحكومات بإضفاء الطابع الرسمي على التزامها بتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050. 

* كاتب بحريني

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y4ycgaaf