دردشة في حسابات الأشجار

23:23 مساء
قراءة دقيقتين

عبد اللطيف الزبيدي

كم في العالم العربي من بلد يفوق فرنسا خضرة واخضراراً وخضاراً ويخضوراً؟ فرنسا اليوم، جرّاء ارتفاع حرارة الأرض، يتهدّدها التصحّر. معقول؟ علماؤها يستغيثون، يطالبون بزراعة سبعين مليون شجرة سنوياً، لمدّة عشرة أعوام. وإلاّ.

التصحّر ليس إرعاباً وترهيباً، هو حقائق لا تستطيع لها تكذيباً. سيقفز معترض: كيف؟ هل يمكن أن تغدو الفراديس قفاراً، صحارى بوراً بواراً؟ لا عليك بآلاف السنين تقول إن آلة الزمن تعيدنا إلى غابر الأزمان، لكن انظر إلى الصحراء الكبرى، ما هو في الجزائر فقط، لقد كانت قبل سبعين قرناً غابات خضراء تراها من بعيد سوداء لتراكب الخضرة طبقات على طبقات. ألم تكن صحراء شبه الجزيرة العربية كذلك قبل عشرات القرون؟ وإلاّ من أين جاءت حقول النفط؟ أليست كلها ذات مصدرين، إمّا الغابات وإمّا الكائنات البحريّة؟

لا حاجة إلى الإسهاب في آثار ارتفاع الحرارة، أبلغ مثال أن تقيس الداء بالحمّى لدى الآدميّ. صعود الحرارة درجتين مئويتين، يصيب الشخص بالهذيان، وربما حان الرحيل الأخير. دع ما لغيرنا لغيرنا، الفرنسيون أدرى بشعابهم، والأوروبيون أعلم بشعوبهم. ماذا لو برهن العرب على إيمانهم بأن حب الوطن من الإيمان، وعقدوا العزم على إنجاز ملحمة تشجيرية. المسألة يسيرة. مساحة فرنسا 643 ألف كيلومتر مربع، وعليها زراعة سبعين مليون شجرة. البلد الذي مساحته ثلاثمئة ألف يزرع خمسة وثلاثين مليون شجرة. ضعف فرنسا يزرع الضعف وهكذا. الحساب الساذج بسيط. المساحة العربية 13 مليون كيلومتر مربع، على 600 ألف يساوي 21 مرة، اضربها في سبعين مليوناً، المجموع مليار و470 مليون شجرة سنوياً، في عشر سنوات 14.7 مليار شجرة، لن تكون غابة الآمازون، إنما رئة عربية عملاقة. السنوات العشر ليست سوى «ما بين غمضة عين وانتباهتها»، لكن الامتحان لخاتمته وجهان، إمّا أن يصحو العرب على أقيانوس أخضر، وإما على توسّع الغبراء.

الأسوأ الأردأ الأدهى الأنكى، هو أن العالم العربي ليست له تربية وطنية عملية تمارسها اليد بإيعاز إيماني من القلب. لو نشأ الصغار على سقي الإحساس الوطني بعرق الجبين إيمانياً، ما تجرّأ غريب على أدنى نظرة طامعة مغرضة إلى ورقة من شجرة الوطن، نثرتها رياح الخريف. أمّا النيل من الجذور والجذوع، فنجوم السماء أقرب.

لزوم ما يلزم: النتيجة التنفسية: الأشجار رئات الأوطان، فالتصحر اختناق.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yy9vhttg