عادي

كاراباخ.. الصراع لم يحسم!

01:00 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

كتب- المحرر السياسي:

اتفاق السلام في كاراباخ الذي جاء بعد توقيع أربع هدن بين أرمينيا وأذربيجان لم تصمد جميعها، يمكن اعتباره فصلاً آخر في نزاع مفتوح منذ انهيار الاتحاد السوفييتي؛ القوة الكبرى التي كانت تمسك بخيوط السياسة وتسيطر على مجموعة من الدول الصغيرة في القوقاز، ثم انفرط عقدها مع انهياره.

ويتسبب تشابك الجغرافيا وتلون الديموغرافيا، وتناقض مصالح المجموعات العرقية، في تأجيج بؤر النزاع جنوبي القوقاز، حيث تجد القوى الفاعلة وعلى رأسها روسيا، ضرورة لمتابعة ما يجري والتدخل عند الحاجة لإعادة ضبط مسارات الاستقطابات السياسية ومعها النزاعات العسكرية.

جاءت الحرب الأخيرة بين أرمينيا وأذربيجان بتحريض من قوى خارجية أساساً، حيث سعت باكو  بدعم من تركيا  لاستعادة الإقليم أو بعض أراضيه التي خسرتها في الحرب مع أرمينيا عام 1994، لكن الجديد في جولة النزاع الأخيرة هي أنها كانت أشد ضراوة وأعلى تكلفة في الخسائر البشرية، حيث تقدر مصادر موسكو عدد القتلى بنحو 5 آلاف قتيل، بعد 44 يوماً من المعارك الطاحنة تخللتها هدن عابرة لم تصمد أي منها.

لكن قواعد اللعبة جنوبي القوقاز تغيّرت نتيجة تدخل الرئيس الروسي الذي حرص على تأكيد دور روسيا كفاعل أساسي على مستوى المنطقة، لكن ما فرضته روسيا من حلول لا يعني بالضرورة، تسوية عادلة ونهائية ومقنعة لجميع الأطراف في هذا النزاع المزمن. وبالتالي، فقد وضعت القضية على رفّ المعادلات الدولية بانتظار ظروف مواتية لهذا الطرف أو ذاك.

وسط تطورات المعارك ورجحان كفتها لصالح باكو، وجدت موسكو نفسها مضطرة لإنهاء المعارك قبل أن يتغير المشهد في واشنطن نتيجة الانتخابات الرئاسية، وهو العنصر الأهم في حسابات روسيا عندما تقتضي مصالحها التدخل حتى عسكرياً إذا لزم الأمر، كما فعلت في أوكرانيا والقرم. منذ بداية الحرب التي شنتها أذربيجان انتقاماً لخسارتها في عام 1994، كان واضحاً أن الهدف الأساسي لشنها تحقيق اختراق كبير بدعم من تركيا، تجلى في إمداد باكو بمعدات متطورة، منها الطائرات المسيّرة وأعداد من المرتزقة. وعندما اقتربت باكو من تحقيق هدفها بسقوط مدينة شوشي، كان لا بد من أن تتدخل موسكو لتحسم النزاع أو تُنهيه على طريقتها، بما يخدم أمنها ومصالحها.

تقاطع المصالح 

وقطع التحرك الروسي  الذي وظف عدداً من المعطيات الجيوسياسية والتكتيكية شملت في ما شملت، تقاطع المصالح مع شريك بوتين وخصمه في آن واحد، رجب طيب أردوغان  الطريق على أطماع الرئيس التركي الذي زج بكل ما يمكنه من قوة لتحقيق انتصار ولو معنوي، يعيد للمشهد الداخلي المتهاوي بعضاً من حيويته. ولهذا يتوقع المراقبون ألا يصمد اتفاق السلام الأخير وسط استمرار الأطماع التركية في تحقيق مزيد من المكاسب على الأرض بعد أن استعادت القوات الأذربيجانية مدينة شوشي، كما أنها ضمنت ممراً بين تركيا والأقليات الناطقة بالتركية جنوبي القوقاز، وإن كان تحت الرقابة الروسية بموجب الاتفاق، ما يلجم طموحات أنقرة في المنطقة ويجعل تحركها رهناً بموافقة موسكو.

ويمكن القول إن اتفاق وقف إطلاق النار في إقليم ناجورني كاراباخ، الذي أبرمته أرمينيا وأذربيجان في 9 نوفمبر الحالي تحت وصاية موسكو، ثبت مكاسب الجيش الأذربيجاني منذ بداية هجومه في 27 سبتمبر الماضي، حيث تستعيد باكو بموجبه السيطرة على جميع المقاطعات السبع المجاورة للإقليم التي احتلتها أرمينيا منذ التسعينات، كما فتح الباب أمام الأذربيجانيين المهجرين للعودة إلى أراضيهم تحت إشراف الأمم المتحدة. 

وقد عكست عمليات إحراق الأرمن للبيوت في القرى التي سيتم تسليمها للأذربيجانيين قبل مغادرتهم لها، عمق الشعور بالعداء والضغينة وهذا ما يغذي النزاعات العسكرية بين الحين والآخر.

صحيح أن الاتفاق لم يحدد مستقبل الإقليم، إلا أن عاصمته ستوضع تحت وصاية قوة سلام روسية قوامها 2000 جندي يتمركزون لمدة خمس سنوات كفترة أولية، مع توفير ممرات آمنة تربط أراضي خاضعة لسيطرة أرمينيا بالأراضي الأذربيجانية وأخرى تربط أراض أذرية بالأراضي التركية.

النتيجة التي آلت إليها الحرب بعد فرض اتفاق السلام، حملت أرمينيا الجزء الأكبر من فاتورة النزاع. فقد وجدت نفسها من جديد تدور في الفلك الروسي، وهي التي تتباهى منذ أكثر من عامين بما أنجزته من تطور ديمقراطي. وكان لافتاً تصريح رئيسها أرمين ساركيسيان، ألا علم له بالاتفاق وأنه سمع به من وسائل الإعلام، ما يوحي بحجم السيطرة الروسية على القرار الأرميني.

عجز أوروبي

أما فلاديمير بوتين الذي سارع لغزو أوكرانيا عندما تعرضت مصالح روسيا للخطر، وتمكن من تحجيم دور جورجيا في الإقليم، فقد أكد من جديد، قدرة روسيا على إدارة خيوط اللعبة، حيث نجح في تعزيز قبضته على الأطراف المتصارعة، ما يؤكد حرص موسكو على تعزيز سيطرتها العسكرية في محيط روسيا ودول الجوار، حتى وإن كانت تعاني ضعفاً في اقتصادها وسوء أدائه.

وكرس الاتفاق العجز الأوروبي في إدارة النزاعات على الساحة الدولية، حتى وإن كانت قريبة من حدود القارة. وقد فشلت مجموعة «مينسك» التي تشارك فيها الولايات المتحدة أيضاً في توفيق أي من الخلافات، خاصة الخلاف الأذربيجاني الأرميني على مدى سنوات من المفاوضات التي لم تسفر عن شيء. ومثل هذا العجز الأوروبي يثير شهية قوى أخرى في تحقيق مزيد من الأطماع عندما تحين الفرصة، خاصة أنقرة التي باتت أصابعها تلعب شرقي المتوسط وجنوب القوقاز، فضلاً عن تدخلها في ليبيا والعراق وسوريا.

خيبة تركيا

وبالغت أنقرة في الدعاية الإعلانية لنصر مزعوم في أذربيجان لتغطية تفاقمات أزمتها على المستوى الداخلي، بعد إقالة حاكم البنك المركزي واستقالة وزير المالية صهر الرئيس أردوغان، ما ينذر بمزيد من التردي في الوضع الاقتصادي وانعكاساته على حزب التنمية والعدالة الحاكم. وعلى الرغم من المخاوف من تحريض جديد تديره تركيا في كاراباخ يهدد اتفاق السلام، فإن الشعور بالخيبة الذي نتج عن تفرد موسكو بفرض الاتفاق، يجد صداه في دوائر القرار التركي في ظل ظروف عدم الاستقرار الداخلي، ما يجعل أي تحرك في المدى المنظور مستبعداً.

وفي إطار استمرار لعبة الأمم وهيمنة القوى الإقليمية على القرار، تبقى منطقة كاراباخ بؤرة ساخنة عرضة للانفجار في أي وقت، طالما بقيت الخلافات بلا حسم بانتظار تغيير جديد على الساحة الدولية في صالح أي من الطرفين المتنازعين.

قيَم هذا المقال
0

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y2lldudw