حرية التعبير بين الحقيقة والوهم

23:09 مساء
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

تطرح مسألة حرية التعبير في الفضاءات السياسية والاجتماعية والدينية إشكاليات تتعلق بحدود هذه الحرية التي يُفترض ألا تقود إلى الإساءة للآخرين انطلاقاً من المبدأ الذي يؤكد أن حرية أي فرد يجب أن تقف عند حدود حرية الآخر، لتجنب العنف، والفوضى، وللمحافظة على السلم المجتمعي، بخاصة في هذه المرحلة التاريخية التي تعددت فيها وسائط التواصل بين البشر بشكل غير مسبوق؛ وقد قفز الحديث عن حرية التعبير إلى واجهة الأحداث خلال الأسابيع الماضية بعد الأحداث التي شهدتها فرنسا بسبب تداول الرسوم المسيئة للرسول، صلى الله عليه وسلم، عبر وسائل الإعلام، وفي بعض المؤسسات التعليمية.

ويمكننا مقاربة مسألة حرية التعبير من زوايا متعددة زيادة على الزاوية السياسية التي تطالب المعارضة السياسية في مختلف الدول بحمايتها من أجل تمكين الشعوب من ممارسة سيادتها، وتفعيل آليات مراقبة السلطة التنفيذية عبر وسائط متعددة، لعل من أبرزها الإعلام الذي يُفترض فيه أن يسهم في دعم عمل القضاء والمؤسسات المنتخبة؛ ومن الواضح أن زاوية الحرية التي تمس إيمان الناس ومعتقداتهم تثير في أغلب الأحيان جدلاً واسعاً داخل المجتمعات في مرحلة بات فيها الاستقرار المجتمعي، وأمن المواطنين يتطلبان المحافظة على قيم التسامح والتعايش بين الأديان من خلال حرص الدول على حماية معتقدات الناس من التعسف الذي يمكن أن ينجم عن الإفراط في استعمال حرية التعبير.

وهناك مفهومان رئيسيان متصلان بحرية التعبير في المجال الديني، وفي سياق الدولة المدنية الحديثة، التي حرصت على الفصل بين السياسة والدين، يتعلق الأول بحرية الأشخاص في تغيير معتقدهم وهي الحالة التي توصف في الخطاب الديني بالردة.

ويتعارض هذا النوع من الردة المستند إلى حرية المعتقد مع حالات الردة التي عرفتها إسبانيا في القرون الوسطى، عندما فرضت السلطات الكنسيّة على اليهود، والمسلمين، تغيير دينهم من أجل النجاة من الموت.

أما المفهوم الثاني الذي نود التركيز عليه في هذه العجالة، فيتعلق بحرية التجديف والإساءة إلى الأديان، ويمكن أن يُعرّف بأنه تصريح، أو فعل يُنظر إليه من طرف أتباع دين ما على أنه مسيء، وبالتالي فليس هناك تجديف إلا بالنسبة للأشخاص الذين يؤمنون بالمعتقد الذي تتم الإساءة إليه. وهنا يتساءل هنري بنا رويز، إذا ما كان ما يعتبره أتباع ديانة بعينها خطأ يمكن لدولة مدنية أن تنظر إليه على أنه جنحة أو جريمة؟ وإذا حدث وفعلت ذلك، فهل تعتبر هذه الدولة محايدة بالنسبة لمواطنيها الذين يعتنقون ديانات مختلفة؟ يذهب الكثير من المفكرين إلى أن مثل هذه الحرية يمكنها أن تخلق أجواءً مشحونة، وتؤدي إلى تفكيك النسيج المجتمعي بين مواطني الدولة الواحدة، الأمر الذي يستوجب الحديث عن مبدأ احترام المعتقدات والأديان عوض الاكتفاء بالدفاع عن حرية التجديف التي يمكنها أن تمثل اعتداءً على حرية الآخرين.

وقد عارض الفيلسوف الفرنسي لوك فيري، ما حدث في بلاده من إساءة للإسلام، عندما قال: «لسنا مضطرين، من أجل تدريس حرية التعبير أن نروِّج لرسوم كاريكاتيرية هي أقرب ما تكون إلى الصور الإباحية (...)، ولسنا مجبرين على شتم الناس لتلقين حرية التعبير؛ ويمكننا القول بالتالي إن احترام الآخرين يفرض علينا حدّاً أدنى من التحفظ من أجل تجنب الإساءة إلى مشاعر الغير. ويجب الاعتراف في هذا السياق، بأن مبادئ حرية التعبير تقف على الحدود الفاصلة بين الحقيقة والوهم، وعلى خطوط تماس بين الإفراط، والتفريط، فمثلما أن حرية معارضة أنظمة الحكم يجب ألا تشجِّع على خيانة الأوطان، فإن حرية رفض معتقد ما، يجب ألا تقود إلى الإساءة إليه، وإلى استفزاز معتنقيه.

[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"