رحيل «قنديل» السودان

23:08 مساء
قراءة دقيقتين

صادق ناشر

لا يمكن ذكر السودان الحديث من دون المرور على الصادق المهدي؛ السياسي الذي ترك بصمته الكبيرة في المجتمع السوداني، تاركاً جبلاً من المواقف جعلته واحداً من أهم صناع التجربة السياسية في بلد معجون بالهم الحزبي. فالسودان لديه أحزاب رضعت السياسة من رحم المعاناة، كما لديه اليوم قوى حية فاعلة، كان ولا يزال لها تأثير كبير في المشهد القائم.

يأتي رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب الأمة الصادق المهدي على رأس الفاعلين السياسيين في السودان، وقد رحل عن عالمنا قبل يومين إثر صراع مع وباء «كورونا»، ومع رحيله يستعيد السياسيون تاريخ المهدي منذ الانطلاقة السياسية له عام 1962 عندما خرج منتفضاً إلى جانب والده ضد نظام الرئيس إبراهيم عبود، قبل أن تصهره الأحداث الملتهبة التي عاشتها البلاد بين حكم ومعارضة وسجون، عرفته خلالها المعتقلات في الداخل والمنافي في الخارج، وشكل شوكة في خاصرة الأنظمة التي تعاقبت على الحكم، لكنه ظل ذلك العود الذي لا ينكسر.

حزب الأمة والصادق المهدي وجهان للسودان الحديث، فقد صنعا معاً الكثير من التحولات الفكرية والسياسية جعلتهما من أهم المرجعيات ليس لبلدهما؛ بل لكثير من الدول في العالم العربي؛ لهذا كانت وفاته فاجعة للقوى السياسية في السودان والتي وصفته ب«المفكر الحكيم»، حسب ما جاء في بيان لقوى الحرية والتغيير، الذي أشار إلى أن البلاد «فجعت برحيله بوصفه علماً من أعلامها السامقة ومفكراً وحكيماً من حكمائها، وقائداً سياسياً وزعيماً من قادتها العظام»، وأنه «أفنى عمره كله منافحاً ومدافعاً عن الديمقراطية والحرية وعاملاً من أجل عزة وكرامة شعبه»، فيما وصفه رئيس الوزراء عبدالله حمدوك بأنه «قنديل من الوعي يستغرق إشعاله آلاف السنين من عمر الشعوب».

لم يكن المهدي مجرد سياسي عابر في تاريخ السودان؛ بل أحد صناع تاريخه، فمنذ تفتح وعيه السياسي في التظاهرات التي كانت تخرج احتجاجاً على الأنظمة المتعاقبة، أسهم في كتابة أهم فصول السودان الحديث، وله عدة مؤلفات تزخر بها المكتبات، منها «مستقبل الإسلام في السودان»، و«الإسلام والنظام العالمي الجديد»، و«السودان إلى أين؟» وغيرها من المؤلفات الفكرية والسياسية.

وبسبب مواقفه تعرض للاعتقال والسجن أعوام 1969 و1973 و1983 و1989، وتسنم مناصب عدة أبرزها رئيس الوزراء، وكان آخر منصب له في العام الذي وصل فيه إلى الحكم عمر حسن البشير عام 1989، والذي جاءت به جبهة الإنقاذ ليبقى في حكم السودان حتى العام الماضي.

رحل الصادق المهدي، لكنه ترك إرثاً لا يُنسى من المواقف التي تخلده بوصفه واحداً من صانعي التغيير في بلاده، وسيتذكره التاريخ باعتباره من الداعين للحكم المدني الذي تعرض لكثير من الانتكاسات على أيدي رؤساء اختاروا الديكتاتورية وسيلة للبقاء في السلطة.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y39cc2ka