لا بد لبايدن من فك الارتباط مع سياسة ترامب المالية

22:11 مساء
قراءة 3 دقائق
3

محمد العريان *

بينما يضع الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن خطة المئة يوم الأولى له في منصبه، يجب عليه التفكير في ما يمكن فعله على المدى الأبعد للحد من اتكالية سوق الأسهم على سياسات سلفه. 

من غير المرجح أن يضع بايدن هذا الأمر على رأس قائمة التحديات التي يواجهها. ومع ذلك، فكلما تأخر في اتخاذ قرار بشأن منهجه والتواصل معه، زادت احتمالية مواجهته نفس المعضلة التي واجهها القائمون حالياً على الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي في وقت مبكر من توليهم مناصبهم. فقد يرغب الرئيس في سلوك مسار معين ويجبر على السير في الاتجاه المعاكس له.

لقد اعتقد دونالد ترامب، وصرح علنًا أكثر من مرة، بأن سوق الأسهم يمثل دليلًا على نجاح سياساته كرئيس. وكلما ارتفع السوق، زاد تأكيده على شعار «لنجعل أمريكا عظيمة» مرة أخرى.

وعزف نهج الرئيس موسيقى شنفت آذان المستثمرين الذين أيقنوا أن دعمه فكرة ارتفاع أسعار الأصول مطلب لصناع القرار. وقد عزز ذلك قناعات باتت راسخة بأن الاحتياطي الفيدرالي جاهز للتدخل لإنقاذ الأسواق كلما اقتضت الضرورة. وهذا ما منح المستثمرين درجة عالية من الارتياح في التكيف مع تقلبات السوق. ومع توفير الكثير من الدعم السياسي فضلاً عن دعم الاحتياطي الفيدرالي للأسواق النشطة، صارت مناسبات هبوط الأسهم فرصاً جيدة للشراء بغض النظر عن أسباب الهبوط. وقد تعددت فرص «الشراء قبل فوات الفرصة» وزاد معها أعداد المتداولين الذين يدخلون السوق للمرة الأولى، وبالتالي زادت الفجوة بين أداء الأسهم وأداء الاقتصاد الفعلي.

وقد فاقم ذلك مخاطر الأضرار الجانبية والعواقب غير المقصودة. وبات هذا النهج محفزاً للمخاطرة المفرطة وغير المسؤولة بشكل متصاعد، ما زاد من مخاطر عدم الاستقرار المالي في المستقبل. كما أنه يشجع على سوء تخصيص الموارد في جميع قطاعات الاقتصاد. وأسفر اتساع الهوة بين الأثرياء وعامة الشعب عن اتهامات للمجلس بدعم «وول ستريت»على حساب العامة من الناس وهو ما أضعف الثقة بمصداقية المؤسسات المالية والاقتصادية ونزاهتها.

ونتيجة الخوف من تفاقم عدم الارتباط بين الأسهم والاقتصاد، سارع جيرومي باول رئيس المجلس وكريستين لاجارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي إلى رسم خطة منذ البداية تهدف إلى وضع قيود على مدى دعم الأسواق. لكن كلاً منهما اضطر إلى الالتفاف عليها بسرعة وبشكل واضح جداً.

وأصبح ما يعرف باسم «عطاء باول» من أكثر العبارات تفضيلاً وتكراراً في السوق. هذا العطاء الذي بدأ مع آلان جرينسبان وتعمق أيضًا عن غير قصد في زمن بن برنانكي وجانيت يلين. وفي أوروبا، تحملت لاجارد الآن عبء سلفها ماريو دراجي المتمثل في وعده بالقيام «بكل ما يتطلبه الأمر» لدعم الأسهم.

قد يكون الطريق الأسهل للرئيس الجديد جو بايدن الاستمرار في اتباع المسار الذي حدده محافظو البنوك المركزية والذي تبناه ترامب ودافع عنه بكل ما أوتي من قوة. هكذا يمكنه أن يتجنب التعامل مكرهاً مع التقلبات المالية والأزمة الصحية، والانقسامات الاجتماعية، والاقتصاد المتباطئ، والزيادة المقلقة في التفاوت الطبقي من حيث الدخل والثروة والفرص.

ومع ذلك، فإن هذا المسار السهل سيكون أيضًا المسار الخطأ. في بداية رئاسته، يحتاج بايدن إلى إثبات أنه لن يكون رهينة لأسواق الأسهم التي ابتعدت كثيراً عن هدفها الأصلي المتمثل في تجميع الأموال القابلة للاستثمار وتخصيصها بكفاءة لتحفيز النمو.

أما في ما يتعلق بالمسائل التنظيمية، فيجب على الرئيس المنتخب أن يشير إلى عزم إدارته على إدراك وفهم مشكلة انتقال المخاطر من النظام المصرفي إلى المؤسسات المالية الأخرى التي لم يتم تنظيمها بشكل شامل حتى الآن والاشراف على حلها.

وفي مقاربته الخاصة بتعيينات بنك الاحتياطي الفيدرالي، يجب عليه ترجيح كفة الأشخاص الراغبين في استعادة الدور التقليدي للبنك المركزي كقائد للأسواق المالية وليس تابعاً لها.

ولا تبدو أي من هذه المهام سهلة أو خالية من المخاطر. ولكن هذا النهج على مدى فترة ولايته الممتدة أربع سنوات، سيكون أقل إشكالية من الاستمرار في تعزيز وترسيخ الأسواق التي تعتمد على دعم السياسات المالية والنقدية إلى ما لا نهاية.

وقد تعامل بايدن عندما كان نائباً للرئيس أوباما، مع تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008. لهذا فهو يدرك جيدًا مدى صعوبة حماية مستويات المعيشة والاقتصاد عندما تصل الممارسات غير المستدامة مالياً إلى نقطة الانهيار نتيجة الهزات المالية الناجمة عن المجازفة غير المسؤولة.

 وأخيراً لا بد للرئيس المنتخب من فك الارتباط سريعاً مع سياسة ترامب ما يضمن مصالح المستثمرين على المدى الطويل، وصحة وسلامة الأسواق والاقتصاد معاً.

* كبير الاستشاريين في «أليانز»

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y4z424bp