العراق بين مشهدين

00:10 صباحا
قراءة دقيقتين

يونس السيد

ما حدث في الناصرية مركز محافظة ذي قار جنوبي العراق، خلال الأيام القليلة الماضية، يمكن أن يكون الشرارة التي تشعل الأوضاع في مدن ومحافظات أخرى في الوسط والجنوب، إذا لم يتم تدارك الأمر، في مشهد يضع البلاد أمام خطر انفجار كبير، بالتوازي مع مشهد عودة الإرهاب وأنشطة «داعش» في الكثير من المناطق، ما لم تبادر الدولة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لاستعادة هيبتها وبسط سلطتها على كل أنحاء البلاد.

ما حدث في الجنوب يكشف عن صراع متجدد بين الكتل السياسية التي تسعى للسيطرة على الشارع مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في مطلع يونيو/حزيران المقبل، وإبعاد ما تعتبره خصومها في الحراك الشعبي الذي انطلق في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، والذي بات يجتذب أعداداً مؤثرة من الناخبين، ويقال إنه يخطط لتشكيل كيانات سياسية لخوض تلك الانتخابات، وبالتالي فإن من شأن ذلك أن يضعف الكتل السياسية التي كانت ترى نفسها صاحبة النفوذ والهيمنة التاريخية على تلك المناطق. ومع أن الوقت لا يزال مبكراً على إجراء تلك الانتخابات، فإن مصادمات الناصرية التي كادت أن تنتقل إلى الكوت والعمارة تشي بأن بعض الكتل السياسية، خصوصاً تلك الطامحة للوصول إلى السلطة وتشكيل الحكومة المقبلة، ترغب في حسم الأمور مبكراً، حتى لو كان ذلك يسبب حرجاً للحكومة المركزية في بغداد. ذلك أن الحكومة الحالية ترى في نفسها مدافعاً عن الحراك الشعبي وجزءاً من تلبية مطالبه، فيما تعهد رئيسها مصطفى الكاظمي منذ تكليفه بتشكيلها بحماية المتظاهرين والكشف عن قتلتهم وتقديمهم إلى العدالة. 

ولكن، صحيح أن الكاظمي سارع إلى تشكيل لجنة عليا لإدارة الأزمة وأرسل فوجين من قوات الشرطة الاتحادية إلى المدينة سعياً لاحتواء الاحتجاجات وفرض هيبة الدولة، إلا أن حالة الطوارئ لم ترفع حتى الآن ولم يرفع أي تقرير عن حالة الأمن والاستقرار فيها، بحسب المراقبين، وسط حالة من الصمت لدى كل الأطراف والجهات المعنية، ومن شأن ذلك أن تطرح أسئلة كثيرة حول ما إذا كان هنالك ضوء أخضر لجهات معينة في المضي قدما لتصفية الحراك الشعبي، أو ما إذا كان هناك صفقات تبادلية معينة، خصوصاً وأن الغالبية العظمى من الكتل السياسية معنية بإنهاء ما يسمى الحالة «التشرينية» حفاظا على بقائها ومصالحها.إن حكومة الكاظمي تقف أمام اختبار جدي لإثبات قدرتها على استعادة هيبة الدولة ومؤسساتها. كما أنها تقف أمام اختبار آخر ربما يكون أكثر أهمية في مواجهة خطر الإرهاب «الداعشي» وخلاياه النائمة، والذي بدأ ينشط مجدداً ووصل إلى تخوم بغداد ناهيك عن الزيادة الملحوظة في هجماته في محافظات شمالي البلاد وغربها، وبالتالي فإن العراق أحوج ما يكون إلى السلام الداخلي وقطع الطريق على الفتن والانقسامات التي وصلت إلى داخل الطوائف نفسها، والتركيز، بدلاً من ذلك، على كيفية اجتثاث «داعش» وإرهابه وخلاياه النائمة حتى لا يتكرر مشهد عام 2014.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y3otudxy