على أعتاب نهاية سنة كبيسة

00:08 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

مع دخول شهر ديسمبر، بدأ سكان هذا الكوكب يعدّون الساعات المتبقيّة من هذه السنة الكبيسة، التي عاشوا خلالها أحداثاً لم تعشها البشريّة في تاريخها المعاصر، وربّما في كامل تاريخها الطويل. هناك أخبار سارّة بشأن بدء ترويج اللقاحات التي ستقضي على فيروس «كورونا»، ولكن ندوب هذه السنة لا يمكن تجاوزها إلاّ بعد سنوات طويلة.

عدّاد هذه الآفة لا يتوقف عن إحصاء الإصابات الجديدة، والضحايا الذين سقطوا في مواجهته. نحو 63 مليون إصابة وقرابة 1.5 مليون ضحيّة هي الحصيلة الآنية للوباء، والأرقام في تصاعد متواصل، إلى أن تثبت اللقاحات التي يتم تطويرها، آثارها الإيجابية في التصدي لانتشار الوباء، وعدم ظهور آثار جانبية على مستعمليها.

خبراء الاقتصاد الدولي، يعتقدون أن سنة 2020، ستنتهي بنسبة نمو سالبة هي في حدود 4.1- في المئة، نسبة تبدو عادية باعتبار تعطل التجارة الدولية، وتعطل حركة التصدير والتوريد، وتوقف أغلب الأنشطة الصناعية سواء في فترة الحجر الصحي الأولى أو الثانية التي كانت موجهة في أكثر من دولة. كما أن تراجع قطاع الخدمات وعلى رأسها قطاعا السياحة والنقل الجوي، من شأنه أن يفاقم التداعيات الخطرة لهذه الجائحة، ويبقى التأثير الأكبر؛ هو تفاقم أعداد العاطلين عن العمل، ومشكلة المديونية التي غرقت فيها الدول ذات الاقتصادات الهشة.

لكن على الرغم من «الجراح» الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي خلّفتها الجائحة، فإنّ الكثير من المؤشرات الإيجابية، باتت تلوح في الأفق بصورة واضحة، مع اقتراب نهاية هذه السنة العصيبة. فإعلان عدة دول عن قيامها باختبارات ناجعة للقاحات كوفيد- 19؛ يؤكّد أن سلاح العلم هو السلاح القوي بيد البشرية؛ للمحافظة على مستقبل الإنسانية. فبقطع النظر عن التنافس الحاد وحتى «الحرب الخفية» على أسواق الدواء العالمية ومن سيسيطر عليها مستقبلاً، فإنّ العلم أثبت فاعليته ليس فقط في التصدي للوباء، ولكن في إحداث التغيير الجذري الذي كان لا بد منه، وربما كانت الحكومات متراخية في ولوجه، حتى في الدول التي تعاني فجوة رقمية هائلة.

الحديث اليوم عن تطوير التعليم عن بُعد، على سبيل المثال، استعداداً لما قد يحدث مستقبلاً من أزمات فجائية، صار خياراً وطنياً حتى في تلك الدول التي لا تتوفر على شبكات إنترنت متطورة ولا على تكنولوجيا فائقة السرعة، ولا تمتلك حتى الإطار البشري الماهر، الذي تعتمد عليها في تطوير التعليم عن بُعد؛ حيث سارعت إلى الانخراط الفوري في إرساء برامج للتعليم عن بُعد، وتخصيص ميزانيات لذلك الغرض. وهذا الأمر ستكون له فوائد في المستقبل؛ لأنه سيمكن من توفير التعليم الجيّد للملايين من الأجيال الجديدة، ومن تسهيل عملية الوصول إلى التعلّم الجيّد. وبفضل هذا التطور القادم والذي لن يتأخر طويلاً في كل الأحوال، فإنّ أجيالاً جديدة في الدول النامية؛ ستتمكن من الانخراط في الثورة الرقمية بشكل أفضل، وسيتم تقليص الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والدول السائرة في طريق النمو، وهذا هو التغيير الحقيقي الذي سيكون من أهم ثمار هذه الجائحة.

 إن المطلوب من الدول التي تريد حقيقة أن تكون مواكبة للعصر، وأن تنخرط في الإنجازات العلمية، هو التوجه فوراً، ومن دون أي تأخير في استثمار ما أتاحته الثورة التكنولوجية من وسائل تعليم متطورة، وأن تتخلص من المناهج البالية ومن أجهزة التعليم الثقيلة والبيروقراطية، وعليها أن تستثمر مواردها المالية في البحث العلمي، الذي أثبت أنه السلاح الأقوى في مواجهة أي كارثة مستقبلية. ومن سيسير في غير هذا الاتجاه؛ سيجد نفسه مستقبلاً في عزلة وفي حالة من التأخر لن يسهل تجاوزها. صحيح أن نحو 80 في المئة من أطفال العالم يلتحقون فعلياً بالمدارس حسب تقديرات البنك الدولي لسنة 2018، ولكن حظهم في التعليم الجيد ليس متساوياً؛ لذلك فإن هناك فرصة تاريخية الآن للدول الفقيرة للاستفادة فعلياً من برامج دعم التعليم الجيّد، وليس أمامها سوى وضع خطط جدّية؛ لإصلاح التعليم؛ من أجل مستقبل أفضل للبشرية جمعاء.

قد لا تكون السنة الجديدة أفضل بكثير من السنة التي نحن على أبواب توديعها؛ لكن يجب استغلالها في استشراف المستقبل، وفي الاستعداد الجيد لكلّ الأزمات المفاجئة.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y6tbbo8b