د. عارف الشيخ
سألتني إحدى المطلقات فقالت: أنا مطلقة فلان، وعندي طفل رضيع منه، لأني وقت طلاقي كنت حاملاً بهذا الطفل، ولكن قدر الله أن أتزوج رجلاً آخر وأنا حامل من زوجي الأول، وأنا الآن أرضع طفلي من الزوج الأول، وحصل أني أرضعت بنت جارتي الرضيعة، فمن يكون صاحب اللبن في هذه الحالة؟
قلت لها: إن المسألة مهمة جداً، ولابد أن نفصل فيها قليلاً، فالحامل إذا طلقت تجلس في عدتها حتى تضع حملها، وإذا حصل غير ذلك فينبغي أن نعلم يقيناً بأن إثبات التحريم من الرضاع لا يشترط فيه أن تكون المرضعة متزوجة وقت الإرضاع.
وقد ذكر الفقهاء أنه قد يحصل أن يكون للبنت البكر لبن من غير حمل، ولا نكاح، وعندئذ يحرّم لبن البكر المرضعة التي ما وطئها زوج ولا حملت، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء من الحنيفة والمالكية والشافعية وبعض الحنابلة، ودليلهم قوله تعالى: «وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم»، (الآية 23 من سورة النساء).
وعند الإمام أحمد بن حنبل على القول الأرجح أن لبن البكر لا ينشر التحريم، لأنه نادر الوجود والنادر لا حكم له (انظر حاشية ابن عابدين ج2 ص 403 وحاشية الدسوقي ج2 ص502، ونهاية المحتاج ج7 ص172، والمغني ج7 ص540).
ثم إن المعروف عند الناس أن صاحب اللبن هو زوج المرضعة التي نزل لها منه اللبن، وهذا اللبن يعرف عند الفقهاء باسم لبن الفحل الذي ينشر الحرمة.
فمتى أرضعت امرأة متزوجة طفلاً غير طفلها بشروط الرضاعة المعروفة عند الفقهاء، صار هذا الطفل جزءاً منها باعتبار أنها أرضعته فتغذى على لبنها، وصار جزءاً من زوجها أيضاً لأنه صاحب ذلك اللبن الذي تغذى منه الطفل.
والطفل عندئذ يصبح كواحد من أولاد هذين الزوجين من حيث الحرمة، لكن قد تثبت أبوة اللبن لطفل ما بعد أن تتطلق من هذا الزوج أو يموت ذلك الزوج.
فلو طلقت هذه المرأة المتزوجة في أثناء حملها، وبعد وضعها تزوجت بآخر وهي ترضع هذا الطفل الذي كان حملا وقت الطلاق، وفي هذه الفترة أرضعت مع طفلها من الزوج الأول طفلاً آخر، فمن يكون صاحب اللبن الآن الزوج الأول أم الثاني؟
يرى الفقهاء أن المطلقة أو التي مات عنها زوجها إذا كانت صاحب لبن وأرضعت طفلاً غريباً من قبل أن تتزوج بآخر، فالطفل أبوته لمطلقها أو لزوجها الميت، والمسألة واضحة، (أنظر بدائع الصنائع ج4 ص10، وروضة الطالبين ج9 ص18، والمغني ج7 ص547 - 548).
وإن أرضعت طفلاً غريباً بعد زواجها من الزوج الثاني وولدت منه فاللبن بعد الولادة من الزوج الثاني يكون للزوج الثاني، ومن ثم فإن ذلك الولد الرضيع منها يكون للزوج الثاني.
وإن تزوجت ولم تلد من الثاني فإن صاحب اللبن يكون الزوج الأول والولد الرضيع ولده، شريطة أن يبقى لبن الزوج الأول على حاله من غير زيادة ولا نقصان.
أما لو زاد اللبن بعد حملها من الثاني فعند الحنفية والشافعية يكون الولد للأول ما لم تلد، وعند الإمام أحمد أن الولد لهما من حيث ثبوت الأبوة له من الرضاعة، (انظر بدائع الصنائع وأسنى المطالب والمغني).