إرث جيسكار ديستان

00:09 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

قد لا يعني الإعلان عن وفاة الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان شيئاً لدى كثيرين سوى أنه توفي بسبب مضاعفات إصابته بفيروس كورونا، لكن للرجل مآثر ومواقف وطموحات مازالت مشروعة، رغم مرور 40 عاماً على مغادرته قصر الإليزيه ليعيش مرحلة اكتئاب سياسي ظلت تلازمه حتى فارق الحياة.

وصل جيسكار ديستان إلى الحكم أواسط السبعينات في فترة كانت فيها فرنسا تحاول أن تخط لنفسها طريقاً إقليمياً وعالمياً يأخذ في الاعتبار إرثها الحضاري ودورها التاريخي في العهد الاستعماري. عندما دخل جيسكار ديستان قصر الإليزيه عام 1974، كان العالم متغيراً ولم تعد باريس بذلك الإشعاع السابق، لكنه عمل منذ البداية على أن يكون لفرنسا حضور أكبر في جميع المستويات، ويعود إليه الفضل في وضع الأسس الحاسمة للمحور الفرنسي  الألماني مع المستشار هيلموت شميدت. ولم يكتف بذلك، بل كان أول رئيس فرنسي يعلن على الملأ طموحه المطلق في رئاسة كل أوروبا لاستعادة المجد المتلاشي للقارة التي ضمت على مدى قرون أعظم الإمبراطوريات. وسعياً لتحقيق الحلم تولى رئاسة لجنة لصياغة دستور أوروبي، وقد خاب أمله عندما سقط المشروع في استفتاء عام 2005 بنسبة 55 %، ليقول بعدها «لا أشعر بالمهانة بل بشيء أكثر قساوة: الاستياء من عدم إنجاز المهمة».

الحلم الذي صوره جيسكار ديستان قبل عقود، ما زال طموحاً مشروعاً لدى شريحة واسعة من المؤمنين بوحدة أوروبا، منهم الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، الذي يصر على تشكيل جيش أوروبي موحد وترسيخ دعائم الاتحاد وأخذ مسافة من القوى العالمية الأخرى ومنها الولايات المتحدة لاستبدال التبعية بالتعاون. وهذه السياسة مأثورة عن الراحل ديستان الذي كان أول من بادر إلى تأسيس مجموعة السبع للدول الأغنى في العالم، ومازال هذا النادي حاضراً ويتحكم في الاقتصاد والسياسة. وكان هدف ديستان من مثل ذلك المسعى ألا تكون بلاده على الهامش، وأن تكون بمستوى تاريخها ودورها، دون أن يحجب ذلك الطموح الشخصي للرجل الذي ظل يرى أن الزعيم التاريخي شارل ديجول ليس أفضل منه، وأن خصمه الاشتراكي فرانسوا ميتران ليس أجدر منه، وكذلك جاك شيراك الذي جمعته به علاقة متوترة وخلافات لعب فيها الجانب الشخصي دوراً سيئاً أكثر من السياسي.

منذ هزيمته المفاجئة أمام ميتران في انتخابات 1981، ظل ديستان يعتقد أن التاريخ لم ينصفه، وهو ما عبرت عنه صحيفة «لو باريزيان» في نعيها «رئيساً أسيء فهمه» وظل «منسياً بعض الشيء»، واعترفت بأن الرئيس الراحل طوّر فرنسا «لكنّ الفضل في هذا لن يُنسب له أبداً»، وبنفس التعبيرات رددت بيانات النعي الرسمية والحزبية الفرنسية «هذا الأسف» الذي جاء بعد فوات الأوان. فهذا الرجل لم ينزل على الحلبة السياسية بمظلة، بل جاء من الميدان، وهو الذي قاتل ثمانية شهور ضد الاحتلال النازي عام 1944 تحت قيادة ديجول، وعندما تولى الرئاسة اختلف عن قائده السابق وعن جميع من خلفه، وظل يعتز بأنه عاش خادماً للدولة لا سيداً عليها.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y5n78fnj