الانضباط الإمبريالي

تأسيس العلاقات الدولية من منظور استعماري
01:01 صباحا
ترجمة وعرض:
نضال ابراهيم
قراءة 7 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
3
ألكسندر إي ديفيس، وفينيت ثاكور، وبيتر فيل
* ألكسندر إي ديفيس زميل أبحاث ما بعد الدكتوراه في قسم السياسة والإعلام والفلسفة بجامعة لاتروب بأستراليا. يعمل على أبحاث العلاقات الدولية التاريخية وما بعد الاستعمار والنقد.

* فينيت ثاكور محاضر في التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة ليدن بهولندا، له كتب عديدة .

* بيتر فيل هو المدير المؤسس لمعهد جوهانسبرج للدراسات المتقدمة، وأستاذ كرسي نيلسون مانديلا الفخري للسياسة بجامعة رودس بجنوب إفريقيا.

تأليف: ألكسندر إي ديفيس، وفينيت ثاكور، وبيتر فيل

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

تأسس نظام العلاقات الدولية بعد أهوال الحرب العالمية الأولى؛ بهدف إحلال السلام العالمي، لكن يشير مؤلفو الكتاب إلى أن العكس حدث، فقد جاء تأسيس هذه العلاقات الدولية؛ ليرسّخ الهيمنة الاستعمارية. ويشكك هذا الكتاب في الأصول المتفق عليها في حقل العلاقات الدولية، ويؤكد ضرورة مراعاة مفاهيم جديدة ومتنوعة بعيدة عن ذهنية التحكم والتلاعب بمصائر الشعوب والدول.

كانت المائدة المستديرة عبارة عن شبكة من الإمبرياليين ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر عبر 5 مجتمعات إمبريالية بريطانية رئيسية؛ هي: أستراليا وكندا ونيوزيلندا وجنوب إفريقيا والهند. كان هدفهم هو تحسين الحكم الإمبراطوري، ووضع الإمبراطورية في وضع يسمح لها بالتحكم في الشؤون العالمية. على الرغم من أنهم فشلوا في نهاية المطاف في إعادة ترتيب النظام العالمي وفقاً لرؤيتهم، فإنهم ساعدوا في بناء ما نسميه الآن نظام العلاقات الدولية.

بدايات العلاقات الدولية

يقول المؤلفون: «في نهاية يوم طويل وحافل في الأسابيع الصاخبة من نشاط أدى إلى توقيع معاهدة فرساي، اجتمع 33 رجلاً في فندق ماجستيك بباريس في 30 مايور 1919. بينما كانت عصبة الأمم تحتضر (أوّل منظمة أمن دولية هدفت إلى المحافظة على السلام العالمي)، تمت دعوة هذا الجمع من الرجال من قبل المندوب البريطاني، ليونيل كيرتس ، لمناقشة مؤسسة مختلفة تماماً عن العصبة. رأى كيرتس أن التركيز فقط على مؤسسة مشتركة بين الدول مثل العصبة لا يضمن السلام. في الأغلب كان النص الموجود على صفحات المعاهدات مقياساً غير موثوق به لحالة العالم. شكل المستقبل عقل الجمهور، وليس حبراً على الصفحات. ومن ثم، قال: إن الجهود المبذولة لتحقيق السلام يجب أن توجه في النهاية نحو تشكيل عقول الجمهور».

ويضيفون: «حضر الاجتماع أعضاء الوفدين الأمريكي والبريطاني. تم تقديم الاجتماع، الذي ترأسه الجنرال تاسكر إتش بليس (1853-1930)، المفوض الأمريكي في مؤتمر السلام، بمذكرة شارك في كتابتها كيرتس وتلميذه الذي كان يعمل في جامعة أكسفورد، ولكنه أصبح حينها سكرتيراً للجنة عصبة الأمم، دبليو. إتش شيبردسون. اقترحت المذكرة إنشاء معهد مشترك للشؤون الدولية يكون له فرع في كل من بريطانيا وأمريكا. وأشار إلى أن مصلحة المجتمع الدولي ككل يجب أن تصبح العامل الأساسي في الشؤون الدولية، مصلحة تتطلب تفكيراً يتجاوز الشعب أو الدولة فقط. على هذا النحو، يتم استيعاب المصلحة العالمية وتجاوز المصلحة الوطنية، وبهذه الروح حثت المذكرة على أن يظهر إطلاق المعهد مع فروع عبر المحيط الأطلسي إمكانية تجسيد مثل هذا التفكير، والتحوّل إلى مؤسسات ملموسة على أرض الواقع. كان روبرت سيسيل، رئيس الوفد البريطاني في عصبة الأمم، قد طلب من كيرتس أن يصبح جزءاً من الوفد البريطاني. تم اختياره لأنه نشر مقالًا بعنوان: «نوافذ الحرية» في مجلة «ذا راوند تيبل»؛ (المائدة المستديرة)؛ حيث كان قد ذكر بأن عصبة الأمم المرتقبة يجب أن تسعى في نهاية المطاف إلى تأسيس حكومة عالمية، واقترح أن الكومنولث البريطاني يمكن أن يقدم نموذجاً لذلك.. في أعقاب حرب جنوب إفريقيا، تم توظيفه من قبل ألفريد ميلنر، المفوض السامي لجنوب إفريقيا، ضمن مجموعة شبابية تم إحضارها إلى ترانسفال آنذاك لتحقيق الكفاءة الإدارية».

ويشير المؤلفون إلى أنه «في عام 1907، قام كيرتس، الذي أصبح فيما بعد أحد الأعمدة المركزية لهذه المجموعة المسماة «روضة أطفال ميلنر»، بتقديم قضية اتحاد جنوب إفريقيا في وثيقة بعنوان: «مذكرة سيلبورن». على مدار العامين ونصف العام التاليين، كرس كيرتس، إلى جانب «مجموعة رياض الأطفال»، طاقاته من أجل الترويج للحاجة إلى دولة موحدة في جنوب إفريقيا من خلال المنشورات وجمعيات «اتحاد أوثق». عندما تم إعلان اتحاد جنوب إفريقيا أخيراً في عام 1910، نسب الفضل إلى «مجموعة روضة الأطفال»، وذهبت إلى أبعد من ذلك، وخططت لإنشاء إمبراطورية عالمية فيدرالية».

تأسيس المائدة المستديرة

تأسست منظمة «المائدة المستديرة»، التي كان كيرتس وسيسيل، إضافة إلى العديد من الحاضرين في هذا الاجتماع جزءاً منها، في عام 1910 بهدف إيجاد مخطط للاتحاد العضوي للإمبراطورية البريطانية. قبل الحرب وإلى حد ما خلالها، كانت المائدة المستديرة قد نفذت دعاية لمنظمة فيدرالية أكبر للإمبراطورية البريطانية، والتي كان كيرتس قد حققها بمقترحاته لتشكيل حكومة عالمية. في هذه الفترة، عمل كيرتس كسفير متجول لحركة المائدة المستديرة. بعد عام تقريباً من اجتماعات باريس وفرساي، في 5 يوليو/ تموز 1920، عندما تم افتتاح المعهد المذكور، تم تقليصه إلى طرف واحد فقط. بعد انتظار الأمريكيين لفترة طويلة، مضت اللجنة البريطانية قدماً من تلقاء نفسها، وأصبح المعهد يسمى المعهد البريطاني للشؤون الدولية. بعد ثلاث سنوات، في عام 1923، من خلال منحة سخية من المتبرّع الكندي، الكولونيل آر دبليو ليونارد (1860-1930)، انتقل المعهد إلى منزل من نمط العمارة الجورجي في منطقة 10 جيمس سكوير، كان من بين شاغليه السابقين ثلاثة رؤساء وزراء بريطانيين سابقين.

أطلق عليه بعدها اسم تشاتام هاوس. وفي عام 1926، حصل المعهد على ميثاق ملكي، وأصبح معروفاً رسمياً باسم المعهد الملكي للشؤون الدولية. على الرغم من أن اللجنة الأمريكية تمكنت أخيراً من تأسيس مجلس العلاقات الخارجية، إلا أن فكرة إنشاء معهد مشترك قد وضع جانباً بحلول ذلك الوقت. ومع ذلك، فقد تشارك المعهدان في علاقة وثيقة منذ ذلك الحين. في 1 يناير 1928، تم افتتاح أول معهد تابع لتشاتام هاوس في كندا، تلاه معاهد في أستراليا وجنوب إفريقيا ونيوزيلندا والهند . تم افتتاح فرع لتشاتام هاوس في نيوفاوندلاند في إبريل 1936.

يستكشف المؤلفون في هذا العمل الروابط بين إنتاج المعرفة وصناعة العالم التي جاءت لتحديد صلاحيات هذه المعاهد للشؤون الدولية على وجه الخصوص، ويقسّمون مناقشتهم إلى ثلاثة مواضيع رئيسية تعد أساسية لهذا النوع من إنتاج المعرفة: 1) فهم «الطريقة العلمية»؛ 2) تتبع تطور المجتمع المعرفي المتعاطف مع أفكار المعرفة هذه، و 3) التفكير العرقي الذي كان الشغل الشاغل لصناعة العالم في تلك الفترة. كان 2019 الذكرى المئوية  ل«الولادة» المؤسسية للعلاقات الدولية. 

يناقش المؤلفون أن «علم» دراسة السياسة الدولية، وطريقة القيام بذلك، جاء في الواقع من المبادرات التي اتخذتها مجموعة من الأشخاص الذين كانوا جزءاً من مجتمع «المائدة المستديرة»، وأن هذه المبادرات كانت أساسية لتأسيس العلاقات الدولية. طورت هذه المجموعة مجموعة من الأفكار حول الإمبراطورية والعالم، وأيضاً عن أسئلة المنهجية العلمية وعلاقتها بتشكيل المستقبل. في هذه الفترة التكوينية، لم تكن «الدراسة العلمية» مرتبطة كثيراً بخلق السلام العالمي ، ولكنها كانت مرتبطة بتعزيز روابط أكبر بين المركز الإمبراطوري والأطراف. لم يكن الهدف هو تحقيق السلام العالمي بقدر ما كان تعزيز «الوحدة العضوية» التي من شأنها ربط بريطانيا والمستعمرات معاً.

يقول المؤلفون: «تميل الطريقة التي نتذكر بها المجال اليوم إلى تأكيد أن العلاقات الدولية تم تطويرها في وقت واحد كمجموعة أفكار غربية، تركز على دولتين معينتين: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. واليوم لا نزال نفشل في النظر إلى الأصول العرقية والاستعمارية للعلاقات الدولية. كانت الأصول الاستعمارية للعلاقات الدولية خارج العواصم الإمبراطورية، وتأثيرات الحدود الإمبراطورية على فكرهم، مهمة في التطور العالمي للانضباط. كانت العلاقات الدولية في أصولها عابرة للحدود واستعمارية. هذا التاريخ، إذاً، هو سبب آخر يجعل من الصعب تغيير المركزية الأوروبية في العلاقات الدولية.

 ويبين الكتاب كيف أن مفاهيم مثل العرق، والعنصرية، والإمبراطورية، والتسلسل الهرمي، والثقافة، والحضارة مركزية لتأسيس العلاقات الدولية. 

وفي الوقت نفسه، كانت الحدود الإمبراطورية مركزية أيضاً، وليس القوتين الإمبرياليتين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة فقط. في الأغلب تتجنب نظريات العلاقات الدولية المعاصرة هذه المفاهيم. 

صدام الحضارات

ينصب تركيز الكتاب على المظاهر الواضحة للفكر العنصري داخل تلك المائدة المستديرة، فمثلاً كان استبعاد النساء منها، ومن هذا الشكل من الفكر الدولي، وثيق الصلة بالغرض منه، بحيث لم يتم التعليق عليه كثيراً.. ضمن هذا، فإن دور المرأة في تاريخ الفكر الدولي والعلاقات الدولية هو القصة غير المروية. أدى تداول الأفكار وتشتتها حول الإمبراطورية إلى تقاليد مميزة للعلاقات الدولية في كل من المجتمعات التي انتقلت إليها. يقول المؤلفون: «هذه التقاليد الفكرية لا تزال موجودة حتى اليوم. وهي تعكس الثقافة الاستراتيجية المعاصرة لهذه المجتمعات. تظل العلاقات الدولية الأسترالية مكرسة في كثير من الأحيان لدراسة آسيا. ولا يزال الفكر المناهض للاستعمار من الهند شائعاً، على الرغم من أنه ظهر من نخب السياسة الخارجية الذين ربما أهملوا التسلسلات الهرمية الاجتماعية في الهند وحافظوا على أشكال الحكم الاستعماري. اليوم، على الرغم من ذلك، تنتج مراكز الأبحاث الهندية التي تسعى إلى التأثير السياسي قدراً كبيراً من التحليلات التي تحتفي بالدولة الهندية، ووحدتها التاريخية المتأصلة والطبيعة الأبدية لحدودها. نادراً ما تكون أعمال العلاقات الدولية التي تنتجها مراكز الفكر السائدة قاطعة من الناحية النظرية، ولا حتى تاريخية بشكل ملموس. العلاقات الدولية في نيوزيلندا وكندا أمميتان ليبراليتان بشكل أكثر وضوحاً. في جنوب إفريقيا، كما يبين المؤلفون، كان «العرق» هو الشغل الشاغل للمؤسسات الأولى. كانت هناك لحظات مقاومة مهمة للأشكال الإمبريالية للعلاقات الدولية بين الحين والآخر تظهر عبر هذا التاريخ. فالهند، عارض المنتقدون فيها اتساق بلادهم مع الرؤية الاستعمارية للمعهد الهندي للشؤون الدولية، مما أدى إلى تشكيل المجلس الهندي للشؤون العالمية. تمكن هذا المجلس المنافس بعد ذلك من استضافة مؤتمر العلاقات الآسيوية لعام 1947، والذي أعطى صوتاً للمخاوف المناهضة للاستعمار».

ويضيفون: «للثقافة والحضارة، كما يتضح من أطروحة صموئيل هنتنجتون «صدام الحضارات» وجود تاريخ أطول وأكثر وضوحاً داخل العلاقات الدولية، ولكن في الأغلب يتم التعامل معها بطريقة انتقدها العلماء المهتمون بالعرق والعنصرية. في الواقع، كانت الأفكار الاستعمارية والعرقية والجوهرية والتسلسلية للثقافة والحضارة مركزية في المشروع الأصلي للمائدة المستديرة. عندما نتذكر العلاقات الدولية كما نعرفها على أنها بدأت بسلام ويستفاليا، فإننا نحصرها في أوروبا وأمريكا.. وما هو على المحك هو إنهاء إنتاج أنواع معينة من المعرفة الاستعمارية ومطالبها ومفاهيمها العالمية عن الحدود والسيادة والفوضى والدولة. يجب الاستعاضة عن هذه الرؤية بمفاهيم متنوعة، مستنيرة من خلال نظريات المعرفة الجغرافية الثقافية المتنوعة المستمدة من جميع أنحاء العالم... وتطوير تقاليد متعددة اعتماداً على السياقات المحلية والتاريخ».

التقييمات
0

عن المترجم

نضال ابراهيم

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

الصورة
1
جوليا ماسكيفكر
الصورة
1
ليام كامبلينج وأليخاندرو كولاس
الصورة
1
نعوم تشومسكي ومارف ووترستون
الصورة
1
الصورة
1
دييجو سانشيز أنكوشيا
الصورة
كتاب
كوري ديكر وإليزابيث مكماهون
الصورة
1
كارينا كالمباش
الصورة
1
أوريلين موندون وآرون وينتر
https://tinyurl.com/y5amj3jm