تحقيق: محمد الماحي

الرغبة الملحة في الالتحاق بوظيفة مرموقة في بلد الخير والأمن والأمان، حلم يراود عدداً كبيراً من الشباب بعد تخرجهم، تلك الرغبة الملحة التي تعمى أبصارهم عن شركات بيع الوهم وتوقعهم فريسة وضحية لعمليات نصب مخططة ومدروسة من ذوى النفوس الضعيفة الذين يتاجرون بأحلام الشباب، بعد أن أصبح المحتالون يبتكرون أفكاراً جديدة للاحتيال على الأشخاص، تأتي في شكل عروض عمل وهمية.
وظهرت في الآونة الأخيرة، شركات توظيف توهم الباحثين عن عمل بوجود فرص عمل برواتب مغرية، ومن ثم تطلب من الضحايا مبالغ مالية لأسباب مختلفة كرسوم التوظيف، رسوم ترتيب مقابلات أو استكمال تعيين، مستغلين أزمة (كوفيد- 19) وارتفاع نسبة الباحثين عن عمل، واستطاعت الشركات الاحتيال على مجموعات كبيرة من الأشخاص، وحصلوا منهم على مبالغ كبيرة.

في المقابل، نجحت الشركات المرخصة بالفعل في هذا الدور ووفرت العديد من الوظائف للباحثين عن العمل بطرق قانونية.
وتنص المادة ال18 من قانون العمل في الدولة على أنه لا يحق لأية شركة توظيف أن تطلب عمولة أو رسوماً أو مكافأة مادية من الباحثين عن عمل لقاء ترتيبات لإيجاد فرصة عمل لهم، كما لا يحق للوكيل الحصول على أي رسوم أو تكاليف، باستثناء تلك التي يحددها قانون العمل.
كما تنص المادة ذاتها أيضاً على أن العلاقة بين رب العمل والموظف يجب أن تكون مباشرة من دون تدخل شركة التوظيف بعد ترتيب الوكيل لقاء بينهما.
رسوم إضافية
وأكدت وزارة الموارد البشرية والتوطين، أن القانون لا يفرق بين المواطن والمقيم في الدولة، وأنها تحظر هذه الممارسات في سوق العمل وتحث الباحثين عن عمل على ضرورة التأكد من أن الشركة مرخصة من الوزارة، وعدم التعامل معها في حال طلبت رسوماً إضافية من الباحثين عن عمل، لافتة إلى أن الرسوم التي تتقاضاها هذه الشركات «غير قانونية».
وأضافت: «في حال تم تقديم شكوى ضد شركة توظيف، وتبين للوزارة، أن الشركة تمارس الاحتيال على المتعاملين، يتم إحالة العاملين في الشركة إلى النيابة والقضاء».
وأكد باحثون عن عمل من جنسيات مختلفة، أنهم تعرضوا لعملية خداع من جانب بعض شركات التوظيف داخل الدولة التي تخرق القانون عن طريق فرض رسوم مبالغ بها مقابل خدمات توظيف تبين عدم جديتها، وتراوحت هذه الرسوم بين 200 و500 درهم.
ونفى أصحاب شركات التوظيف، أن تكون هذه الشركات وهمية تقوم على جني الأرباح دون فائدة للمجتمع، مؤكدين أنهم يسهمون في تطوير سوق العمل وتوفير الوظائف المناسبة للباحثين عن العمل دون عناء، وذلك مقابل رسوم لا تتعدى مبلغ مئة درهم، مشيرين إلى دور هذه الشركات في تخفيف البطالة وتوظيف المواطنين وإلحاقهم بدورات تدريبية مستمرة لتحسين أوضاعهم في القطاع الخاص.
السير الذاتية والثقة
وقالت راوية إبراهيم «باحثة عن عمل» في ظل أزمة كورونا وارتفاع نسبة الباحثين عن عمل، نشطت العديد من شركات التوظيف، وأصبحنا مضطرين لتقديم السير الذاتية والبيانات، لكن للأسف الشديد ليست لدينا ثقة بتلك المواقع.
وأضافت: «قرأت أحد الإعلانات عن حاجة شركة كبرى في دبي لموظفين وبعد الاتصال بالشركة تم تحديد موعد للمقابلة، إلا أنه فوجئت بالمستوى المتواضع للشقة التي تستخدم مقراً لشركة التوظيف، إضافة إلى إلزامها بدفع 200 درهم مقابل تعبئة طلب عمل مساعدتها على كتابة سيرة ذاتية جيدة، إضافة إلى 100 درهم مقابل تحديد مواعيد مقابلات في المنشآت التي ادعوا أنها تطلب موظفين.
لا تتمتع بمصداقية
ووافقها الرأي علي عمر البشير في أن بعض الشركات لا تتمتع بمصداقية وأغلبها تعرض شواغر وظيفية وهمية لا وجود لها، مشدداً على أنه يفضل طرق التوظيف التقليدية عن طريق التقدم بالوثائق مباشرة للجهة المعلنة عن الشاغر الوظيفي.
وأوضح أنه تعرض لاستغلال مادي من خلال أحد مواقع التوظيف الإلكترونية؛ إذ طُلب منه مبلغ لقبول سيرته الذاتية، ثم مبلغ آخر للاطلاع على الشواغر الوظيفية الوهمية التي تستخدم أسماء الشركات فقط.
دفع مرتين
واشتكى العامل محمد شريف من أنه دفع نحو 500 درهم لشركة توظيف من دون الحصول على أي وظيفة.
وأكد شريف أنه سدد 300 درهم لموقع التوظيف كي يرسل له سيرته الذاتية ويدققها، ثم دفع لاحقاً 200 درهم لقاء ترتيب مقابلة عمل. وأبدى استعداده ليدفع مثل هذا المبلغ وأكثر من ذلك برحابة صدر، لكن مقابل إيجاد وظيفة، غير أنه لم يحصل على شيء حتى الآن.
كل هذه الاتهامات باطلة
ومن جهته نفى أمير الصائم- شركة برايم تارجت لخدمات التوظيف، الاتهامات الموجهة إلى شركات التوظيف فيما يخص النصب والاحتيال وجمع أموال الناس واستغلال حاجة الباحثين عن عمل برسم أحلام وردية في طريقهم، قائلاً:»إن كل هذه الاتهامات باطلة وغالبية شركات التوظيف تعمل جاهدة في تذليل الصعاب التي تواجه الباحثين عن عمل«.
وأضاف الصائم:»للأسف، أن التعميم والحكم على كل الشركات العاملة في مجال التوظيف بأنها تعمل على جني الأرباح من الباحثين عن العمل فيه كثير من التجني، مؤكداً أنهم يسهمون في تطوير سوق العمل وتقديم فرص عمل حقيقية للشباب المواطنين في القطاع الخاص.
توخي الحذر
تمكنت إدارة مكافحة الجرائم الاقتصادية في الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في شرطة دبي، من إلقاء القبض على عصابة أنشأت شركة وهمية للتوظيف استخدمتها في النصب والاحتيال على الباحثين عن عمل عن طريق إيهامهم بتوفير وظائف وهمية مقابل مبالغ مالية تفاوتت بين 1000 و 3000 درهم، كرسوم للتقديم على الوظيفة الشاغرة وإنهاء إجراءات التوظيف، مستغلة في ذلك جائحة كورونا «كوفيد- 19».
وناشدت شرطة أبوظبي، الباحثين عن فرص العمل بضرورة توخي الحذر وعدم التعامل مع مواقع التوظيف الإلكترونية المزيفة، التي تستغل حاجتهم إلى الوظيفة، وتمارس غالبيتها النصب والاحتيال الإلكتروني من خلال إيهامهم القدرة على توفير وظائف برواتب خيالية مقابل دفع رسوم أو مصروفات لا أساس لها وبدون وجود وظائف حقيقية، مضيفة أن شركات التوظيف الموثوقة لن تطالب بدفع مبالغ مالية أو تقديم بيانات سرية أو شخصية
دعاوى قضائية
وأكد مختصون، أن القانون يسمح لشركات التوظيف بأن تفرض رسوماً على أرباب العمل فقط، وليس على الباحث عن العمل.
وأشار المحامي عبدالله الكعبي، إلى أهمية توفر المستندات والأدلة التي تثبت حقوق الضحايا، حتى يتمكنوا من إقامة دعاوى قضائية ضد الشركات التي تحتال عليهم وتروج لوظائف وهمية، وضمان المطالبة بالتعويض اللازم عن الأضرار التي لحقت بهم.
وركز على أهمية زيادة وعي الأفراد بالطرق القانونية والآمنة للبحث عن الوظائف داخل الدولة، وتشديد العقوبات ضد مروجي الوظائف الوهمية، لحماية المجتمع من أصحاب النفوس الضعيفة الذين يستغلون حاجة الناس إلى العمل في الاستيلاء على أموالهم من دون وجه حق.
ويتفق الخبير الاقتصادي الدكتور خالد صقر المري، مع ما سبق ويضيف إليه، أن الكثير من المتقدمين للوظائف يطمحون إلى عقود عمل ذات مميزات تلبي احتياجاتهم وتؤمّن مستقبلهم، لكن بعضهم يقع فريسة لعمليات الاحتيال، سواء في ما يخص طبيعة الوظيفة، أو المقابل المادي، وفي بعض الأحيان يصل الاحتيال مداه باكتشاف أن عقد العمل غير حقيقي من الأساس، مشيراً إلى أن الفترة السابقة شهدت انتشار إعلانات لشركات توظيف وهمية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تنتحل أسماء شركات توظيف مشهورة، مشيراً إلى أن القانون يسمح لوكالات التوظيف بأن تفرض رسوماً على أرباب العمل فقط.
وتابع: «على الرغم من تلقيها رسوماً غير قانونية من قبل الباحثين عن عمل، فغالباً ما تخفق هذه الوكالات في إيجاد فرص عمل، أو حتى الترتيب لإجراء مقابلة وظيفية». 

احتياجات الأفراد الأساسية


الأكاديمي والخبير الاجتماعي الدكتور سالم زايد الطنيجي، يرى أن عمليات النصب والاحتيال قد تأخذ أشكالاً عدة يلجأ لها محترفو هذه المهن للإيقاع بالآخرين للاستيلاء على أموالهم، لافتاً إلى أنه غالباً يستغل هؤلاء المحتالون، احتياجات الأفراد الأساسية، كالحاجة إلى إيجاد فرصة عمل ومصدر رزق، وتالياً يلعب المحتال دوراً نفسياً بالغ التأثير في خلق أمل لدى الضحية، الذي يكون مهيأ للتعلق بأي أمل حتى لو كان وهماً.
وطالب وزارة الموارد البشرية والتوطين، بالتصدي لظاهرة انتشار شركات التوظيف الوهمية التي تنصب على الشباب، عن طريق فحص جميع سجلات شركات التوظيف المرخصة بالوزارة لعمل قائمة استرشادية بأسماء الشركات المرخصة والمعتمدة للتوظيف ذات السمعة الطيبة ليتعامل الشباب معها حتى لا يقعوا في فخ الشركات الوهمية، لافتاً إلى أن أي تنمية اقتصادية لا تشمل استغلال الطاقات البشرية الموجودة تعتبر منقوصة لذلك يجب أن تستثمر مواردها البشرية، وخاصة من الشباب لأن الطاقات المعطلة تعتبر قنبلة موقوتة.