وجه الثقافة ووجهتها

00:10 صباحا
قراءة دقيقتين

د.باسمة يونس

عندما يطلق صاحب السمو، الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة مبادرة ما، ندرك بأنها تمثل مشروعاً نهضوياً يغذي الثقافة العربية ويحفظها مما كادت العولمة أن تبعثره أو تظن بأنها ستبعثره. وبإطلاق صاحب السمو حاكم الشارقة المجلدات الأولى من «المعجم التاريخي للغة العربية»، فقد قدم للأمة العربية الحصن والقلعة التي ستبدد مخاوفها على لغتها، فهناك من هو قادر على التصدي لمن يحارب هذه اللغة بمشروع كان في الماضي مجرد أمنية. إن حب اللغة العربية ليس حباً يسكن القلب فقط، بل هو قادر على أن ينجز معجماً يوثق وللمرة الأولى تاريخ مفردات لغة الضاد وتحولات استخدامها عبر 17 قرناً (منذ عصر ما قبل الإسلام إلى عصرنا الحاضر).

كانت رسالة سموه منذ بدايات مشروعه الحضاري أن يحقق أحلام أمّته ويرفع شأنها، وباتت رسائله في كل محفل ومناسبة ثقافية أهم رسالة ينتظرها كل محب وغيور على ثقافته ولغته، فهو كما جمع العرب في أكثر من مشروع، يجمعهم اليوم على أكثر مما يحلمون به، لأنهم أبناء قومية عظيمة تمتد كما قال سموه في رسالته «منذُ العصرِ الجاهلي، والذي سَبَقَ بُزوغَ شمسِ الإسلام، مُروراً بالعصرِ الأمويِّ فالعبّاسيّ فَعَصْرِ الدّولِ والإمارات ووُصولاً إلى العصرِ الحديث».

لقد كاد العالم أن يصدق أن اللغة العربية آيلة للانهيار، وأنه يمكن التخلص منها مع دخول الكثيرين ممن ينطقون بغير هذه اللغة إلى الدول العربية، فضلاً عن ما أدخلوه معهم من المصطلحات والمفردات غير المفهومة، التي تحولت إلى لغة يومية يتحدث بها الناس صغاراً وكباراً، متخلين بدون وعي عن حلاوة وجمال العربية، مستبدلين بها لغة مترهلة، تلك التي أبكت الشاعر العربي حافظ إبراهيم يوماً وجعلته يتمنى لو كانت العربية عقيمة، كما يتهمها البعض ليصدق بأنها كذلك، لكنها لم تكن أبداً كذلك ولن تكون. 

ومع تذرع الكثيرين بأن التخلي عن العربية كان لصعوبتها، أصبحت الحاجة ماسة للرد عليهم بالمعجم الذي سيصبح هو المرجع الأكبر ومورد المثقف والمتخصص والباحث والطالب والأديب، ويفوق بذلك الحاجة لمن سيسدي النصح، ويسعى من أجل توعية المجتمع بأهمية العربية والمحافظة عليها. 

إن المعجمَ الذي يؤمن صاحب السمو بأنه «لا يشرحُ الألفاظَ ولا يُعرّفُ بدلالاتِ الكلماتِ ويُعطي تواريخَ استعمالها فقط، وإنّما يحفظُ تاريخَ الأمّةِ من الاندثار، ويَصونُ حضارتَها من الزّوال، ويُخلّدُ مآثرَ العرب وأيّامَهُم، ويُحافظُ على الذّاكرةِ العربيّة من أقصى الجزيرة العربيّة شرقاً، إلى المحيطِ الأطلسيِّ غَرْباً، ويؤرّخُ للنُّصوص والأشعار، ويُثبِتُ الأخبارَ والأقوالَ التي نطقَ بها المسلمون وهم في بلادهم وراء النهرين وأقاصي آسيا، ويحفظ تاريخَ إفريقيا المسلمة التي عُنِيَ أصحابُها بالفقه المالكي وعلوم اللغة ومتونها»، هو الحلم الذي تحقق وأشرقت شمسه من قلب الشارقة، وجه الثقافة ووجهتها.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

​كاتبة ومستشارة في تنمية المعرفة. حاصلة على الدكتوراه في القيادة في مجال إدارة وتنمية المواهب وعضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ورابطة أديبات الإمارات. أصدرت عدة مجموعات في مجالات القصة القصيرة والرواية والمسرح والبرامج الثقافية والأفلام القصيرة وحصلت على عدة جوائز ثقافية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y2ehepo4