أيقونة الزمن الجميل

01:09 صباحا
قراءة دقيقتين

يشدك منظر المواطنة الستينية «عفراء» ببرقعها الذي غطى معظم وجهها، ومنظارها الصغير الأسود، وهي تتابع رعي أغنامها فوق قمة الجبل، تتأكد من مسارهم، وتشجعهم على صعود الجبل، والرعي من أعشابه، بعيداً عن خطر الموت والاصطدام بالسيارات على الشوارع الأسفلتية، في منطقتها الجبلية التي تحولت لمنطقة سياحية تستقطب السياح من كل حدب وصوب.
وعلى امتداد المناطق السياحية في دولتنا، وخاصة الجبلية منها، عدة منازل لأسر ما زالت تحافظ على طريقتها القديمة في العيش، وما زال نمط مساكنها من الحجر والأسمنت، والبعض حتى لم يدخل التيار الكهربائي فيها؛ للمحافظة على ذلك النمط، والأغلبية منهم يرعون «أغنامهم» وحلالهم، ويمكثون عدة أيام في تلك المنازل وهم محافظون على الإرث القديم الذي توارثوه أباً عن جد، إلا أن ذلك الجيل الذي عاش قبل وصول الكهرباء، أعداده تتضاءل، فيما لا تساعد الأغلبية صحتهم لمزاولة الحياة كما كانت سابقاً.
وهنا في تلك المنازل تحديداً وذلك النمط المعيشي القديم، تتمثل «أيقونة» الزمن الجميل، زمن البساطة، والانشراح، والعيش بأقل مقومات الحياة، والتي إن توفرت في المكان ذاته، يعتبر ترفاً بحد ذاته، وأهل تلك المناطق الجبلية ما زالوا يحافظون على عاداتهم بالترحيب بالضيوف، وتبادل أطراف الحديث مع الزائرين، وتلك الأيقونة من نمط الحياة، لابد من المحافظة عليها مجتمعياً، فهي مثال واضح للتعرف إلى كيفية التدرج المعيشي، وكيف كانت حياة الأجداد قبل خمسين عاماً، وتشجيع الأجيال لمواصلة التشبث بما ورثوه من آبائهم؛ ليعرفوا به أولًا أبناءهم، ومن ثم تتوالى السلسلة، قبل أن تضمحل من الوجود.
ونحن نقترب من الاحتفال بالخمسين عاماً لدولتنا، جميل أن يكون الالتفات لتلك الفئة من المواطنين التي ما زالت تحافظ على نمط معيشتها، ترعى أغنامها، بتقديم الدعم المادي والمعنوي لها، وتعريف أجيالنا والزائرين بنمط معيشتهم بشكل واقعي وطبيعي، قبل أن ينحصر تعريفنا للأجيال بالماضي، فقط في زيارتهم «للمتاحف»، فهنا تعتبر الرحلة تاريخية ثقافية تعود بنا لأكثر من خمسين عاماً، يحدثهم «شوابنا» عن كيف كانت الحياة قديماً بشظفها ومشقتها، إلا أنها كانت لها معنى، وكانت لها سعادتها ومذاقها الخاص بها.
وهنا دعوة للجهات المختصة بالآثار والمتاحف والثقافة وحتى السياحة وكل ما يعنى بتعزيز هويتنا الوطنية، إلى الالتفات لأيقونة نمط الحياة قديماً، فلم يعد لها وجود إلّا بالمنازل الجبلية، لخصوصية تلك المناطق، فلم يعد أحد يسكن «بالخيم» ولا أحد يقطن العرش، لتغير نمط المعيشة، والحياة الجبلية لها خصوصيتها في كل دولة، والحفاظ عليها وتشجيع أهاليها لمواصلة الحياة فيها على ذات النمط، يعتبر «إنجازاً» لابد من تحقيقه والعمل به.

[email protected]

 

عن الكاتب

إعلامية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"