لننطلق من فضيلة العدالة

00:22 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. علي محمد فخرو

لقد بيًّنا، عبر الأسابيع الماضية في مقالات عدة، عدم وجود نظام ديمقراطي واحد، بكل منطلقاته النظرية وتطبيقاته، صالح لكل دول العالم؛ وذلك بسبب تأثيرات التاريخ والتراث والثقافة والبنى الاجتماعية على كثير من تفاصيل الديمقراطية، وبالتالي حاجة العرب للاتفاق على نوع الديمقراطية الصالحة لمجتمعاتهم في الحاضر والمستقبل القريب. 

كما بينًّا أفضلية أن يكون المنطلق الأساسي للديمقراطية المتبنّاة في بلاد العرب، مبدأ العدالة؛ بعد أن أظهرت تجارب العديد من الدول الغربية الديمقراطية بأن مبدأ الحرية الليبرالية كمنطلق لديمقراطيتهم، ومن دون أن يحكمها مبدأ العدالة ويعلو عليها، قد قاد إلى مشاكل وأزمات في حقول الاقتصاد والسياسية والسلم الأهلي والأخلاق والأوضاع النفسية الجمعية.

 وما نراه من أزمات خطرة في مسيرة الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أوروبا وآسيا يشير إلى وجود خلل في المنطلقات الأساسية لتلك الديمقراطيات.

 السؤال المنطقي الذي يحتاج إلى إجابة واضحة بالنسبة لنا كعرب؛ هو: عن أية عدالة نتكلم؟ ما مصادرها وقيمها وتطبيقاتها في الواقع؟ وما نوع علاقتها بالديمقراطية؟

 هذا موضوع كبير ومطروح على مستوى العالم منذ زمن طويل من قبل الفلاسفة والمفكرين في أمور السياسة والاقتصاد، ويعاد طرحه بقوة في الوقت الحاضر؛ بعد أن دخل العالم أزمات عولمة عدة، وعلى الأخص في الاقتصاد أو في مواجهة وباء غريب معقد كوباء ال«كورونا».

 وقد تعددت تعاريف العدالة وتطبيقاتها والتزاماتها القانونية وارتباطاتها بالأخلاق وقيم الفضيلة عند أولئك الكتّاب والفلاسفة، والأمر نفسه يجده الباحث في التراث العربي والمعالجات العربية الحديثة لموضوع العدالة.

 فالعدالة عند العرب ارتبطت بحميمية بمجموعة من القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية من مثل المساواة في الخلق والقيمة البشرية والحق والقسط والميزان، والإنصاف والتقوى والإحسان والمحبة وتحكيم الضمير، والسعادة، والوسطية بلا إفراط ولا تفريط. هذا الترابط الوثيق بين العدالة وكل القيم الأخلاقية والفاضلة، يختصره المفكر الأمريكي جون رولز وزميله الفرنسي بول ريكور باستمرار بمقولة: «العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية كالحقيقة بالنسبة لأنساق الفكر».

 ويحسب للحضارة العربية الإسلامية اهتمامها المتميًّز بموضوع العدالة قبل الحضارة الغربية بعدة قرون؛ وذلك من خلال أطروحات «أهل العدل والتوحيد» ( المعتزلة ) الكلامية. ومع أن الطرح المعتزلي ركًّز كثيراً على إثبات التنزيه الإلهي عن الظلم، ولم يعطِ الاهتمام الكافي التفصيلي للقانون والمؤسسات القانونية كأدوات تفعيل للعدل في المجتمعات، إلا أن المعتزلة أبرزوا أهمية ما يعرف الآن بالحق الطبيعي وشتى جوانب التساوي في الإنسانية، والنتيجة أن المعتزلة جعلوا موضوع العدل الإلهي والإنساني موضوعاً عاماً تداوله رجالات الحكم والفقه والفلسفة عبر سنين طويلة. ولو قيًّض للمعتزلة الاستمرار؛ لسُدًّت الثغرات ولأسهم العرب في ترسيخ نظريات عدالة لا تقل عما جاء به فلاسفة مثل كانت وروسو ورولز وغيرهم.

 ولمن يريد أن يعرف الغنى الذي وصلت إليه مناقشات موضوع العدالة في التراث العربي عليه أن يقرأ مدينة الفارابي الفاضلة التي سبق مؤلفها غيره في القول إن واجب من يحكمها هو ضمان حق الحياة وحق السعادة، والتي لا تقل روعة عن جمهورية أفلاطون الفاضلة، أو أن يقرأ أقوال الفقيه أبي القاسم الأصفهاني حول أهمية ومعاني العدالة من منظور ديني بالغ التقدم.

 ملخص القول بإن مفكرًي الحضارة العربية الإسلامية أعطوا اهتماماً كبيراً لموضوع الأخلاق، قيماً وفضائل وممارسات، ثم انتقلوا إلى إعطاء أهمية كبرى لفضيلة العدل التي وجدوها مبثوثة في النصوص القرآنية كمواجهة وعلاج لرذيلة الظلم؛ وذلك من خلال الإعلاء الكبير للتكافل الاجتماعي وللحرية والمساواة الإنسانية الشاملة والتسامح في السلوك والقصاص والحكم بالقسط والنّهي عن ممارسة البغي.

 وما نود أن نصل إليه هو أن أهم أساس للديمقراطية، كنظرية ونظام، هو فضيلة العدل، مبثوثة بشكل بارز في التراث العربي الإسلامي. وإذا كنا نتفق مع استنتاج هيئة الأمم بأنه لا يوجد نظام ديمقراطي واحد يصلح لكل المجتمعات؛ وذلك لارتباط الديمقراطية بتاريخ وتراث وثقافة وعقائد المجتمعات، فإننا نستطيع القول إن الانطلاق من فضيلة الفضائل، أي العدل، بصيغ صالحة لعصرنا العربي ولحداثتنا المطلوبة؛ سينسجم مع تراثنا وثقافتنا، وبالتالي سيجعل الانتقال إلى الديمقراطية مطلباً مجتمعياً واسع الانتشار وأكثر قبولاً وأقل لغطاً وثرثرة.

 وحتى لا تلتبس الأمور فإن هذا الاستنتاج، القابل للمناقشة والمراجعة، لا يعني إطلاقاً التقليل من أهمية المنطلقات القيمية، والإخلاقية الأخرى من مثل الحرية والأخوة والمساواة والمواطنة وحقوق الإنسان الكثيرة الأخرى.

 وأخيراً، نؤكد أهمية الخروج من تحت عباءة المركزية الحضارية النيوليبرالية الرأسمالية الغربية المتوحشة وإملاءاتها وأخطائها التاريخية.

[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y3gwz8z5