خواطر في دروس الانهيارات

00:39 صباحا
قراءة دقيقتين

هل فكّرت في أهمّ الأسباب التي أدّت إلى سقوط أنظمة طبائع الاستبداد؟ لا أحد يستبعد أدوار القوى الخارجية، لكن، حين تكون أسوار المناعة متداعية، فإن الفيروسات تجد السبل ممهّدة والمنافذ مفتوحة. ههنا مكمن العبر، والمبتدأ والخبر.
 الدول الفاشلة تعدّ مناجم دروس، لمن شاء أن يتعلّم طرائق تجنّب العثرات في حياة الأوطان. المنطلق الأسلم: الشعوب ليست ملكيّة خاصّة فرديّة مطلقة. الشعوب ترتقي بأنظمتها، لكن الأنظمة أيضاً ترتقي بشعوبها. الأنظمة التي وقعت أرضاً وتحطّمت، كان تجبّرها يصوّر لها أنها المثال والكمال، بينما كانت بلدانها في ذيل الدول المتخلفة. قد ينصرف الذهن إلى أن هذا الانخداع الذهنيّ في رأس السمكة، ضرب من ضروب الفصام في الشخصية، ولكن أيّ سكيزوفرينيا تلازم المستبدّ عقدين، ثلاثة، أربعة؟ ألا يصحو؟ ألا يستيقظ؟ إلاّ أنه ولا شك حين تضرب البلد الزلازل، يردّد أهل النظام: «وأفقنا، ليت أنّا لا نفيق».
 أهمّ ما تجاهلته طبائع الاستبداد التي كانت صروحاً من خيال فهوت، هو أنها لم تبن الأنظمة طبقاً لما تمليه القواعد الصحّية. لا فرق بين جسد الكائن الحيّ وجسم الدولة: جهاز المناعة، روافد التغذية السليمة، الحيوية والنشاط والحركة في سبيل السلامة والرشاقة. لا فرق بين الأمراض والعلل في البدنين. لدى الإنسان: التغذية السيئة والعادات غير السليمة، عدم ممارسة الرياضة، نتيجتها الأدواء والوهن والترهل؛ وفي مستوى الدول: إهمال التنمية، تفشي الفساد، انعدام العدالة الاجتماعية، انسداد آفاق حريات الفكر والرأي والتعبير، ينجم عنها التخلف والتسيّب والتهميش والفساد البروقراطي والقطيعة بين القاعدة والقمّة، ويبدأ المنحدر الكبير. في المشاهد الأخيرة، تكشف عدسات القدر أن دابّة الأرض كانت تأكل منسأة المستبد. منذ سنين وشعوب شقيقة، جرّاء عدم المشاركة في القرار، هي في عذاب الفوضى، بينما الكراسيّ تهشمت من سنين.
 ما غفلت عنه تلك الأنظمة البائدة، هو حقيقة المناعة العامّة الحقيقيّة. لقد شكّلت، كما أملت عليها أوهامها، قوّات ظنّت أنها تحميها من الداخل خصوصاً، وأسوأ ما أهملته هو أن التفرّد بالفكر والرأي هو بؤرة الإضرار بالسياسة والسياسيين. لا وجود لميدان من ميادين الحياة العامة لا يحتاج إلى الآراء المتعدّدة في سبيل اختيار الأفضل، وحمايته من الزلات المدمّرة.
 لزوم ما يلزم: النتيجة الكوميديّة: توهمت طبائع الاستبداد أن الانتخاب بنسبة 99% مفخرة، فجاء السقوط بنسبة 99%.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"